انحرافات مسلكية في ثقافتنا الجمعية
رحم الله الأستاذ والمفكر الجزائري مالك بن نبي عندما قال - ويشاركه في ذلك كثير من المفكرين والعلماء - إن الحضارة تبتدئ بالإنسان وتنتهي عنده، فالإنسان هو الذي ينتج الحضارة وعلى يديه فقط يصنع التقدم والرقي ولكن ليس من غير بناء محتواه الداخلي، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولما كانت الثقافة هي ذلك المحرك لهذا المكون الداخلي وهي الموجه لسلوكه الظاهري فعلى الإنسان أن يبتدئ بثقافته قبل أن ينشد التغيير الأفضل لنفسه، وعلى الأمة أن تهتم بثقافتها الجمعية لتؤسس لنفسها البيئة التي تنهض بها حضاريا وتتقدم بها علميا وماديا ومعنويا. فالحضارة ليست هي الرفاه المادي وليست هي أيضا التقدم العلمي فقط ولاهي بالتأكيد تنحصر في تغير الأشكال والأنماط السلوكية القشرية والظاهرية وإنما هي عملية ارتقاء بإنسانية الإنسان في محيط من القيم والمبادئ والأخلاق التي تتناغم وفطرة الإنسان، فكل أشكال التقدم العلمي والتقني والتنظيمي هي محطات يصل إليها الإنسان حتما عندما يرتقي بإنسانيته ولن ينجح في الوصول إليها من كانت إنسانيته مكبلة بقيم ومبادئ ومعان تشدها إلى الأدنى والأسفل وتثير فيها شغف الفوضى والعبث والهروب من البيئة المنظمة.
وإذا كان ما سبق هو كلام عام إلا أنه مهم لأنه يمهد لتوضيح ما نحتاج إليه فعلا في وقتنا الحاضر وهو الاهتمام بثقافتنا الجمعية لننقيها من الشوائب والقيم السلبية حتى نجعلها قادرة على استيعاب ما نعيشه اليوم من نهضة علمية وتعليمية وتطور اقتصادي وتقدم تقني. لا نريد لأنفسنا أن نعيش في حالة من اللاتوازن بين جهود نسعى بها لنتطور علميا وماديا وبين ثقافة تشتت هذه الجهود وتمنعنا أن ننجح في توطين مثل هذا التطور في واقعنا وبيئتنا. فكل ما قد نحصل عليه من تطور علمي وتقدم تقني لابد لنا من أن نغرسه في ثقافتنا، وإن لم تكن هذه الثقافة بالقادرة والصالحة لاحتضان مثل هذا التطور وهذا التقدم فإنه بالتالي ستموت كل هذه الأشياء بين يدينا، ونبقى نجتهد ونركض ونلهث وقد نحصل على كل ما نريد ولكن ستواجهنا مشكلة تجذير وبقاء وديمومة هذه الأشياء في واقعنا.
كثيرة هي الأشياء الإيجابية التي قد نجدها عند الشعوب الأخرى وبالأخص المتحضرة منها والتي قد يتمنى الواحد منا أن يجد لها حضورا في مجتمعنا وليس بالضرورة أن نحس أو نشعر بالنقص، ونحن نتمنى مثل هذا لأن التحضر هو منتج إنساني مثله مثل الحكمة التي يجب أن نبحث عنها ونأخذها حتى من الشعوب والمجتمعات المعادية لنا. ولعل من أكثر هذه الأشياء الايجابية التي تمنيت شخصيا أن أحملها على ظهري وأهرول بها إلى مجتمعنا هي قيمة الشعور بالمسؤولية، فعندنا حقا بلوى ثقافية جعلتنا لا نكترث ولا نلقي بالا للأخطاء والتجاوزات الاجتماعية ما دامت ليس لها تماس مباشر بنا وبمصالحنا، بل في بعض الأحيان حتى ما يمسنا صرنا نكف أنفسنا عن التصدي له وهو من أقسى أشكال السلبية التي قد يعيشها الإنسان. فصرنا لا نقبل التوجيه من أحد وصرنا نرفض تذكيرنا بمسؤولية ما فعلناه بل زيادة على ذلك صرنا لا نجرؤ على توجيه أحد بل صرنا نخاف حتى من ممارسة حقنا في رفض الممارسات الخاطئة التي ليست هي من خصوصية أصحابها فقط. لقد فكرت وترددت كثيرا ثم حسمت أمري وقررت أن أخوض تجربة الشعور بالمسؤولية، ودخلت مع نفسي في حوار لأجعلها مستعدة لاستخدام أرق العبارات واستقبال أشد الكلمات وأقسى الأساليب، فلا يهم كيف سأستقبل وعلى ماذا سأحصل، بل المهم أن أجرب وأمارس ولو لفترة بسيطة ما أعتقد أنه من حق المجتمع على كل فرد من أفراده.فأول مواجهة كانت مع شاب في العشرين من عمره وكان يدخن في صالة المطار حيث إن التدخين هو في الأصل ممنوع، اقتربت منه وسلمت عليه وبدأت أشرح له بكلمات مهذبة عن أضرار التدخين وخصوصا وهو شاب ومازالت الحياة أمامه، فبادرني وقال إن هذا (موشغلك)، فقلت له إن التدخين ممنوع في الصالة وهناك من يتضرر من دخان سيجارتك، فوضع يده اليمنى على كتفي وقال، رح...رح...رح وبعدها كلمات لم أفهمها لأنه قالها وهو يضحك مع زملائه. التجربة الثانية كانت مع أربعة شباب في سيارة وكانت علامات الفرفشة بادية على وجوههم وذلك من خلال حركات أيديهم، وعند الاقتراب من الإشارة المرورية رمى أحدهم بكيس لعله بقايا وجبة شبابية ومن ثم رمى آخر بربع سيجارة ينبعث دخانها ومن غير أن يحدد جهة رميها، تعمدت أن أقف إلى جنب هذه السيارة وأرفع يدي مسلما عليهم وأبديت لهم إعجابي بجمال سيارتهم وما إن بدأت كلامي شارحا لهم أن ما فعلوه هو غير لائق بهم ولا يعطي صورة حسنة عن مجتمعنا، لم أقل حتى ربع ما كنت أنوي قوله حتى سمعتهم كلهم دفعة واحدة وبعضهم يلوح بيديه، رح...رح...رح، وابتعدوا بسيارتهم عني وآخر كلمة سمعتها منهم هي الأخرى كانت رح ولكنها كانت أطول من أخواتها. لم أفكر باختيار زبائني ولكن هذه المرة كانت التجربة مع رجل كهل تبدو عليه سيماء الجد والوجاهة، لم يقف خلف سيارتي ولكنه احتجز السيارة التي كانت إلى جانبي وكان صاحبها واقفا متذمرا وعلامات الضيق الشديد كانت واضحة على وجهه، وكانت هناك مواقف خالية على بعد خطوات من مدخل السوبر ماركت، وبعد عشر دقائق تقريبا جاء صاحب السيارة وأشر بيده لصاحب السيارة المحتجزة وهو يقول معليش، لم أتردد وتقدمت إليه وشرعت أوضح له بلطف أنه كان بإمكانه أن يقف على بعد خطوات ومن غير أن يضايق الآخرين، أدار وجهه عني وهو يقول، مش شغلك...رح...بس رح.
تكررت المحاولة مع أشخاص آخرين وسمعت كلاما وعبارات مختلفة ولكن معظمها كانت إن لم تكن كلها مصحوبة بكلمة رح واحدة أو عدة مرات، كانت كلمة رح في بعض الأحيان هي أضعف الكلمات التي أسمعها. في الكورنيش وأنا أمشي وراء شخص عمره فوق الثلاثين يرمي بعلبة المشروبات الغازية فألحق به وما إن ابتدأت الكلام وفهم ما أنوي بكلامي حتى قال لي رح.. رح..، سيارة يقودها شاب يحاول أن يزاحم الجميع ليقف في المقدمة عند الإشارة المرورية فأبتسم له وأشير إليه بيدي بالصبر، فكان الرد بكلمة رح... وبرح يدوية عنيفة، سيارة أخرى أراد صاحبها أن يدخل أمامي في مسار مزدحم من غير إشارة ولا حتى إشارة استئذان، فألتفت إليه وأنا أشير إليه بالصبر وإذا به يلوح لي بيديه وهو يقول بلا مبالغة أكثر من عشر مرات ... رح... رح.
لا أستطيع أن أنكر أن هناك من الناس وحتى من الشباب ممن كان لطيفا معي واستقبل ما أقوله بكل رحابة صدر بل إنه أبدى اعتذارا لما بدر منه وأكد لي أننا نتصرف في بعض الأحيان بعقل جمعي وبعكس قناعاتنا، وبالرغم من بعض الإحراج الذي شعرت به في بعض الأحيان إلا أنني وجدت أثرا لممارستي هذه حتى عند الذين قذفوني بكلمة رح وتركوني، لاحظت هذا الأثر في وجوههم وفي ردة فعلهم. فلو حاول كثير منا ممارسة هذه المسؤولية وأن نجعلها تزداد وتتسع مع مرور الزمن فبالتأكيد سيكون لها أثر وسنتلمس نتائجها في إشاعة مثل هذه الثقافة وهي ثقافة المسؤولية على أرض الواقع. ربما يفترض البعض أن الأغلبية سوف لا تتجاوب وأن الأثر سيكون بسيطا ولكن ألا ندري أن العدو الأول للتغيير هو كثرة الافتراضات؟ أعجبتني تلك المقولة التي سمعتها من مُصلحة اجتماعية غربية وأتذكر أنها قالتها في محاضرة لها في جامعة من الجامعات بأن أكثر الإصلاحات الكبرى في عديد من المجتمعات في العالم بدأت على يد أفراد وبأعمال بسيطة ومحدودة جدا، فمن الضروري إيمان الفرد بنفسه وبثقته في عمله وبيقينه بأن البركة تأتي في العمل وبقناعته بأن الكل قادر على أن يسهم في التغيير وأن يكون له دور في ترقية نفسه ومجتمعه. ومن الضروري أيضا أن نستحضر في أذهاننا أن الناس في العموم هم في طبيعتهم يحبون الخير لأنفسهم ولمجتمعهم وأن الرد الفعلي الأولي لا يكشف عن حقيقة نفوسهم وإنما عن حقيقة الثقافة التي يحملونها أو يعيشونها، وما دامت الثقافة هي من الأشياء المكتسبة ومن الأمور القابلة للتحول فإنه من غير المقبول أن نستسلم لبعض الجوانب الثقافية التي تعوق تطور مجتمعنا.