حدود التحرك التركي ضد إسرائيل والغرب
كيف نفهم التحرك التركي في المنطقة وما حدوده وطبيعته؟ إذا وضعنا معا عدداً من المواقف التركية لاتضح لنا مسرح التحليل في هذه المقالة، ونخص بالذكر الزيارة التي قام بها أردوغان إلى طهران، ودعمه للمشروع النووي الإيراني بشرط ألا يتحول إلى الطابع العسكري، وحديث أحمدي نجاد عن رغبته في إنشاء تحالف يسد الفراغ السياسي في العالم، ومواقف أردوغان ضد جرائم إسرائيل في غزة ومراجعة أكاذيب شمعون بيريز في دافوس وانسحابه احتجاجاً على منحه وقتاً أقل منه للرد على أكاذيبه، وإعلان أردوغان أنه سوف يتعقب تقرير جولد ستون حتى يصل إلى غايته الناجحة ضد الإسرائيليين. في الوقت نفسه تتوثق العلاقات السورية - التركية بما يسمح للرئيس بشار أن يتحدث عن تحالف سوري – تركي - إيراني.
من ناحية أخرى، توترت العلاقات التركية - الأمريكية عدة مرات بسبب موقف تركيا خلال الغزو الأمريكي للعراق، وخلال الأزمة العسكرية في كردستان العراق ضد حزب العمال الكردستاني التركي. وقد صعدت تركيا موقفها المناهض لإسرائيل وكان آخرها استبعاد إسرائيل من مناورة في تركيا، رغم إصرار تركيا على حرصها على التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، مما رفع وتيرة العداء لتركيا في الحكومة الإسرائيلية. يذكر أن تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي بادرت بالاعتراف بإسرائيل في إطار مذهب ترومان.
الأصل أن تركيا دولة إسلامية أقرب إلى العالم العربي والإسلامي، كما أن لتركيا مصالح مع الغرب فهل هذه التحركات تفهم على أنها محاولة لإقامة التوازن في علاقاتها مع ماضيها ومستقبلها، أم أن تركيا قررت أن تتجه نهائياً صوب العالم العربي؟ وإلى أي مدى يؤثر هذا التوجه في علاقاتها الإسرائيلية والغربية؟ لا شك أن دعم تركيا للحقوق الفلسطينية وإدانة البربرية الإسرائيلية يسعد العالم العربي، ولكنه يغضب إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، كما أن تطبيع العلاقات التركية مع أرمينيا قد نزع ورقة حساسة ومحرجة استخدمتها إسرائيل وفرنسا وأمريكا.
ومن الواضح أن الانسحاب العربي من القضايا الإقليمية بسبب الضغوط الأمريكية أساساً قد فتح الباب لكي يظهر على المسرح الغربي وفى ملفاته عديد من القوى، ولكنها لا بد أن نصنف هذه القوى ومشروعاتها فالمشروع الأمريكي المتحالف مع المشروع الصهيوني يجب أن يتخلص من هذه الوصلة الصهيونية بجهد عربي مستنير وجهد شعبي أمريكي بدأ يظهر مع حملة أوباما لكنه لم يترجم بعد إلى موقف رسمي، فصار المطلب الشعبي عموماً في جزء مهم منه هو أن تسمو المصالح الأمريكية الخالصة على المصالح الصهيونية خاصة بعد أن تورطت إسرائيل في جرائم لا تستطيع واشنطن أن تدافع عنها، أو إن شئنا الدقة تعد واشنطن ضالعة فيها بحكم دعمها العسكري في ارتكاب الجرائم والدفاع السياسي عنها، وآخرها إدانة الكونجرس الأمريكي بأغلبية ساحقة تقرير جولد ستون بأنه متحيز ضد إسرائيل. أما المشروع الإيراني فإنه يتداخل بحكم وضعه الجغرافي وطبيعته الأيديولوجية مع الملفات العربية، فهل تتحرك تركيا لاحتواء هذا المشروع وتحقيق ائتلاف عربي – تركي - إيراني بعزل إسرائيل، وهل هذا ما تريده واشنطن، أم أنها لا تمانع في أن يكون هذا التوافق أداة للضغط على إسرائيل في التسوية المنشودة؟