هل فشلت المصالحة الفلسطينية نهائياً؟
من الواضح أن حماس رفضت المصالحة بوضعها الراهن مع السلطة الفلسطينية. ومن الواضح أيضاً أن حماس قد أتيح لها أن تدرس المقترحات المصرية المقدمة من الجانب المصري وأن حماس طلبت مهلة للمزيد من الدراسة ولكن عندما قدمت تحفظاتها الأخيرة أثار ذلك الأطراف الأخرى جميعاً بما في ذلك مصر. ولذلك يجب أن ننتبه إلى عدد من النقاط الحساسة التي تكون عادة محلاً للمعالجة والتحليل.
النقطة الأولى: تتعلق بمصر، فمن المعلوم أن مصر تقوم بهذا الدور بمساندة المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين شخصياً فيما هو معلوم من الرسائل المتبادلة بين الزعيمين المصري والسعودي، فضلاً عن أن هذا الفصل من فصول رأب الصدع الفلسطيني سبقه فصل آخر بدأ به مشوار المصالحة، وهو اتفاق مكة المكرمة الذي اتضح أن قدر الآمال فيه أضعف من تعقيدات الواقع. ولذلك ظل الإنفاق حتى الآن يطالب باحترامه وتنفيذه، ولعل الجهد المصري هو استكمال للحلقة الأولى في اتفاق مكة خاصة بعد التطورات الخطيرة التي جرت منذ توقيع هذا الاتفاق. ومن الواضح أيضا الإصرار من جانب العالم العربي على أهمية المصالحة، ولكن المشكلة هي أن المصالحة، قفزاً على المشكلات الكبرى بين مناهج إدارة الصراع مع إسرائيل، سوف تؤدي إلى المزيد من الشقاق. وكان الأولى أن توضع مبادئ عامة يتم الحوار الجماعي على أساسها بين كل الأطراف الفلسطينية وأن يكتفي الدور المصري بتوفير المناخ المناسب، وبعد اتفاق الأطراف تقوم مصر مع الدول العربية الأخرى بفرض احترام هذا الاتفاق .
النقطة الثانية: تتعلق بموقف إسرائيل والولايات المتحدة فهما لا يريدان أي تقارب بين فتح وحماس بل يراهنان على التمزق النهائي للصف الفلسطيني، وكان ذلك واضحاً من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين.
النقطة الثالثة: تتعلق بالانتخابات الفلسطينية، فمن الواضح أن التلويح بالانتخابات وفقاً للدستور الفلسطيني تقابله شكوك كبيرة في احترام هذا الدستور في مواضع أخرى، ذلك أن الوضع الدستوري في فلسطين مرآة للوضع السياسي وهو يتناسى دائماً أن فلسطين محتلة وأن العمل السياسي يجب أن يكرس للدفاع عن الحقوق الفلسطينية. ونحن نعتقد أن الخلاف بين فتح وحماس لأسباب لا حصر لها هي التي تؤدي إلى بروز المشاكل التي تعترض طريق المصالحة وأن الصبر العربي على رعاية المصالحة له حدود، وأنه ما لم ترتفع الأطراف جميعاً على خلافاتها وتدرك إدراكاً كاملاً أن إسرائيل تترصدها جميعاً، فأن الرهان الإسرائيلي على سقوط الخط الأخير والعمود الفقري للحقوق الفلسطينية وهو وحدة الصف الفلسطيني سيكون أمراً مؤسفاً. وليس من المصلحة أن نحمل طرفاً بذاته المسؤولية عن فشل الحوار والمصالحة، ولكني أعتقد أن فشل هذه الجولة لا يعني أن المصالحة بكاملها كطريق قد فشلت، لأن معنى ذلك هو إما الاستسلام أمام رهان المشروع الصهيوني، وإما نشوب الحرب الأهلية، وهو انتصار عظيم لهذا المشروع، ولذلك فإن الإشكالية الحقيقية هي كيفية توفير الثقة بين كل الأطراف، ثم يمكن أن يكون الطرف العربي مركباً، أي مجموعة من الدول تمثل العالم العربي تقوم بفرض ما يتم الاتفاق عليه، ومعاقبة الطرف الفلسطيني الذي يخرج عن الاتفاق، حتى تكون المصالحة جدية.