ما بال الجن لا يريدون العيش إلا بيننا؟!
لقد كانت جلسة رمضانية عادية ولم يخطر على بالي أنا على الأقل, أن الجن يشاركنا الجلسة وأننا سننتهي في حديثنا إلى نقاش عن موضوع الجن, ليس الجن الذين نؤمن بوجودهم حقا كما ذكرهم الله في القرآن الكريم والذين هم كائنات ومخلوقات لهم وجودهم الخاص بهم والمغيب عنا والذين منهم الكافر ومنهم المؤمن, ولكن كان حديثنا عن الجن الذين صنعناهم نحن في أذهاننا وبأوهامنا ومخاوفنا ومن ثم جعلنا لهم هذه المكانة وهذا الحضور في ثقافتنا الاجتماعية. جملة اعتراضية واحدة ساقها أحد الزملاء كانت كافية لأن تغير أجواء الحديث، وأن تجعل الجميع ينخرطون وبحماسة في الحديث عن الجن وعن الأسباب التي أدت إلى هذا الحضور المكثف للجن بيننا. لقد كان الحديث في الأول عن هجرة العقول العربية والإسلامية من بلدانها إلى دول العالم المختلفة, فالكل كان متفقا على أن هناك هجرة علمائية وفكرية إلى خارج بلداننا, بل إن البعض يرى أن هذه الهجرة هي في ازدياد، وأن العلماء والمفكرين يهجروننا أو بالأحرى يهربون منا أكثر مما هم مهاجرون إلى البلدان الأخرى. والبعض يعتقد أن من حق أي عالم أو أي إنسان متميز في مجال فكري أو علمي أن يبحث له عن مكان أو بلد يمارس فيه علمه وفكره ويطور قدراته العلمية لأن من حق العلم على العالم ومن حق الفكر على صاحبه أن يخرجه لتنتفع به الإنسانية, فالعقول والأفكار تستقر حيث تجد نفسها. بالتالي علينا ألا نلوم العالم في هجرته عنا ولا نلوم المفكر في غربته عندنا لأننا أخفقنا في احتضانهم وفشلنا في استيعاب علومهم، بل حتى أننا صرنا نحاصرهم في مكاتبهم ومختبراتهم ونتهمهم بأنهم يطالبون بما لا يستحقون، وأخيرا قلنا لهم إن الباب يسع جملا لمن يريد الهجرة منهم.
ذهبنا بعيدا في البحث عن الأسباب المؤدية إلى هجرة العرب والمسلمين التي ستكرس من واقع التخلف عندهم، وإن رأى البعض أن وجود هؤلاء العلماء في موطن العلم والتقدم هو رصيد ستنتفع به بلدانهم في لحظة النهوض بنفسها. وفي لحظة هدوء جاءت ربما نتيجة إما لما شعرنا به من تعب من الحديث من جديد في موضوع قديم وإما لأننا استنزفنا ما عندنا من كلام وأفكار تخص هذا الموضوع وتشعباته, في لحظة الهدوء قال أحد الزملاء وهو ممن لم يشارك كثيرا في حديثنا الأول, إذا كان العلماء والمفكرون يهاجرون من بلداننا فإننا نستعيض عنهم بالجن الذين يهاجرون إلينا من كل أصقاع الأرض, هل هجرة الجن إلينا هي التي شردت علماءنا؟ وهل هذا الحضور الكبير لهم عندنا هو الذي شجعهم على تركنا والبحث عن مكان آخر يستقبلهم غير مواطنهم الأصلية؟ عندها تكفل أحد الحضور بالقول وبجدية كانت واضحة على معالم وجهه أننا يا جماعة نعيش هجرة مكثفة للجن للعيش بيننا، وأني أخاف أن يأتي يوم يعلن فيه الجن أن بلداننا هي أرضهم الموعودة وعندها لا خيار أمامنا إما الهجرة وإما العيش مستعبدين عندهم.
هل سألنا أنفسنا عن الأسباب التي أدت بالجن إلى الهجرة إلينا وتفضيل العيش عندنا؟ هل شكلت هجرة العلماء والمفكرين فراغا في نفوسنا وعقلنا الاجتماعي وثقافتنا التحتية ما دفع بالجن للهجرة إلينا؟ هل هي حقا هجرة أم غزو جني لأن ضعفنا وتشتتنا وانشغال أنفسنا بما لا يعود بالنفع علينا شجع حتى الجن على التفكير في غزونا, فصرنا نخاف من الجن وفي الوقت نفسه صرنا نجتهد في ترضيتهم؟ فإن مرضنا فبسببهم, وإذا أردنا الشفاء فعندهم, وإذا ابتلينا ببلاء أو دهمتنا مصيبة فبالتأكيد أن هناك من أعدائنا من استخدم الجن ليؤذينا ويلحق الضرر بنا. الزوجة تعيش الخوف والقلق من الجن الذين يعيشون عندها في بيتها, فهي تهمل نفسها وربما حتى أمور بيتها وعيالها وتسترضيهم خوفا من أن يفكر أحدهم في أن يتسرب من جحره ويندس في داخل زوجها ويغريه بالزواج عليها. ولعلها ولكثرة التقرب من هؤلاء الجن يستضعفها أحدهم وتكون هي الضحية لهم, فتعيش الخوف والقلق والشرود الذهني وينعكس ذلك على صحتها ويسلب منها حيويتها وجمالها وقبولها عند زوجها وبذلك تحقق لزوجها ما كانت تريد أن تمنع الجن من فعله. وقد يجد هذا الجني العفريت مستقرا له في داخل نفس هذه المرأة المسكينة فينتهي بها الحال عند مصحة من مصحات الشعوذة التي بدأت تنتشر في مدننا. من يدّعون القدرة على إخراج هذا الجني من جسد هذه المسكينة لا يفعلون ذلك إلا بعد أن يستجدوا رضا الجني القابع في داخلهم هم، وثمن هذا الرضا عليه أن تدفع هذه المسكينة من أموالها وحليها. حتى المدارس صارت تعشش فيها الجن, فالطالب الذي يرسب تأخذه أمه لتكشف عليه لعل هناك جنيا قد (سكّر) عليه أبواب عقله. والأطفال صاروا يستوحشون حتى في بيوتهم, فأي حركة تقطع سكون غرفتهم فهي عندهم دلالة على أن هناك من الجن من يتحرك في داخل الغرفة, فلكثرة ما يسمعون عن الجن من أمهاتهم وجداتهم صاروا يتوجسون من أن يتخطفهم الجن وهم في بيوتهم وبين أهلهم.
ما الذي جعل الجن يعشقوننا؟ وما الذي وجدوه عندنا حتى صاروا يهاجرون للعيش بيننا؟ وهل مصحات الشعوذة, أو من يدّعون علاجنا وتخليصنا من الجن.. هل هم حقا يعالجوننا أم أنهم باتوا مكاتب استقدام للجن من أقطار العالم للقدوم والعمل عندنا؟ من أين أتت القوة لهؤلاء الجن لتخريب نفوسنا والعبث بحياتنا؟ هل هناك فعلا جن كما نراهم نحن يعيشون بيننا أم أن أوهامنا ومخاوفنا هي التي تحولت إلى جن يهاجمنا؟ هناك عدة أسباب أدت إلى ظهور ظاهرة الجن في مجتمعاتنا, ومن أجل ألا نثقل على القارئ بذكرها كلها سنكتفي بذكر ثلاثة من هذه الأسباب, وهي:
1- ثقافة الخوف: ثقافتنا العامة مشحونة بكم كبير من الأشياء والأفكار المخيفة, فثقافتنا صورت لنا الحياة بأنها معادية للإنسان, وبالتالي فهي مسكونة بالأعداء من الجن والإنس. ولما كان الواحد منا يشعر في داخل نفسه بأنه يعيش في وسط معاد وأن أكثر ما يعاديه هم من وراء حجاب, لا يراهم ولا يسمع لهم, فبالتالي لا بد من أن تجسد هذه الأوهام والمخاوف في صور وأشكال, والجن هم إحدى هذه الصور والأشكال المسكونة بمخاوفنا.
2 - غياب العقلنة للأمور: عندما لا تعقلن الأمور لا تفهم, وعندما لا تفهم فإنها تفسر على غير حقيقتها. الحياة لها سننها وقوانينها، وكل شيء يسير وفق هذا النظام وحتى الخروج عن هذا النظام له نظام, فعندما لا نفهم هذه السنن ونريد أن نتعامل معها أو نعدلها أو حتى نوقفها أو نحيد بها فإننا نحيلها إلى ما تصنعه أنفسنا من أوهام لعلها تفعل بها ما نريده ونعجز عن فهمه.
3 - النفوس الضعيفة: لم تحظ نفوسنا بما تستحقه من اهتمام فصارت أضعف من أن تصد عنها هذه الأوهام والتخيلات المرضية فاللياقة النفسية هي ضرورية للإنسان كضرورة اللياقة البدنية للجسد, ولكنها مسكينة نفوسنا تتعب فتكتئب، وبدل أن نرعاها ونعالجها نسلمها للمشعوذين على أنواعهم وتصنيفاتهم ليعبثوا بها بحجة أن هناك من الجن أو غيرهم قد دخل إليها. فكيف لا تأتي الجن وغير الجن إلينا ونحن قد خلعنا كل أبواب نفوسنا حتى الشبابيك؟!
لسنا في حاجة إلى أن نسأل الجن: لماذا يريدون الهجرة والعيش بيننا؟ بل علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا يقصدنا الجن من دون غيرنا .. هل في ثقافتنا ما يدعوهم إلى القدوم إلينا؟ وهل في نفوسنا من القوة والمناعة ما يصدهم عنا؟