العمل في المباني الكئيبة
لو أردنا أن نتجاوز ما عندنا من ثقافة توحي لنا بأن الشأن الخاص متقدم على الشأن العام, ولو أردنا ألا نحمل منهجيتنا الإدارية وفكرنا الإداري مسؤولية تدني جودة القطاع الخدمي، لا نستطيع أن نغفل أن هناك عوامل وأسبابا لها دور وتأثير في ضعف أداء القطاع الخدمي، وهي ليست بتلك الأسباب الصعبة التي لا يمكن لأي إدارة أن تخطط لحلها والعمل من أجل التخلص منها. فمن بين أمور عدة هناك ثلاثة أمور مهمة لتطوير القطاع الخدمي, بيئة العمل المنتجة, فالموظف أو العامل لا يلام على تقصيره في العمل وعدم أدائه لعمله بجدية وكفاءة إذا كانت بيئة العمل هي نفسها غير منظمة ولا تساعده على الإنتاج، وهذه مسؤولية تتحملها الإدارة وليس الموظف أو العامل, فالمشكلة أن هناك فهما إداريا وثقافة خاطئة توحي للكثير من المديرين في القطاع الخدمي أن هذا القطاع هو بطبيعته غير قابل للتنظيم لأنه قطاع عمله كثير ومتشعب وله علاقة بأكبر شرائح المجتمع، وهم عموم الناس وعلى تماس مباشر مع حاجاتهم الأساسية. فأول أمر مهم لتطوير القطاع الخدمي هو بيئة العمل المنتجة ولا بد لنا من أن نجد من المخارج الإدارية وأساليب العمل ما يعيننا على تحسين بيئة العمل والارتقاء بها في هذه المؤسسات الخدمية. ولطالما أكد خادم الحرمين الشريفين على ضرورة الارتقاء بالخدمات المقدمة للموطنين وتسهيل الإجراءات لإنجاز أعمالهم والمطلوب من الإدارات على اختلاف مواقعها هو تفعيل هذه التوجيهات وإيجاد الأسس العملية لتفعيلها. أما الأمر الثاني فهو الموظف نفسه والتأكد من قدرته المهنية والإدارية على إنجاز العمل على أحسن وجه، وهذا له علاقة بالتعليم والتدريب المتواصل والأهم تعزيز ثقافة أداء الأمانة في خدمة المواطن, فكلما استطعنا أن نغرس في نفوسنا القيمة الثقافية التي تعلي وتجل وحتى تقدس من قيمة العمل المقدم لخدمة المواطن فإننا سنجني كثيرا من الفوائد التي بالإمكان البناء عليها لتطوير قطاع الخدمات عندنا. أما الأمر الثالث فهو تعاون المواطن أو المستفيد من هذه الخدمات لتطويرها إلى الأحسن, صحيح أن هناك في بعض الأحيان تذمر وشكوى من سوء بعض الخدمات المقدمة للمجتمع ولكن هناك دورا غائبا للمواطن للتفاعل مع هذه القضية من أجل تطويرها, فهناك نظرة سلبية من أن مستوى الجودة في هذا القطاع غير قابل للتحسين، وهناك عدم رغبة أو ضعف في الدوافع عند كثير من المواطنين للتجاوب مع التطور والتحسينات التي قد تقدمها بعض الجهات الخدمية مما يعرقل إنجازها وتطبيقها. فللمواطن دور كبير ومؤثر في تطوير القطاع الخدمي وتحسين ما يقدم له من خدمات، وما هذه الخدمات إلا جزء من حقوقه التي كفلتها له الدولة، وبالتالي فمن حقه أن يتفاعل مع فكرة تطوير هذا القطاع للارتقاء بما يقدم له من خدمات.
تبقى هناك نقطة مهمة ربما غفل عنها كثير من الإداريين في قطاع الخدمات ولها تأثير مهم في الموظفين العاملين في هذا القطاع وفي المواطنين المراجعين لهذه الجهات وهي جودة ونظافة وحسن المباني التي تشغلها هذه الجهات الخدمية, فالمبنى من الداخل ومن الخارج هو جزء مهم من بيئة العمل، بل إن البيئة الداخلية لهذه المباني وجودتها لها تأثير كبير في إنتاجية العمل ورضا المراجعين، بل إن لها تأثيرا كبيرا في صحتهم البدنية. فهناك مبان هي بنفسها كئيبة وهي بدورها تتسبب بالكآبة للعاملين فيها والمراجعين لها. وهناك أشياء كثيرة وعوامل متعددة تسهم في جعل المبنى كئيبا، وتجعل من الإنسان الذي يوجد فيه يشعر بالضيق وعدم الراحة، مما ينعكس ذلك على سلوكه وقدرته النفسية على أداء عمله وضبط مشاعره بالشكل المطلوب. فهناك أولا نظافة المبنى وحسن ترتيبه، وهذا الشيء يضفي بهجة على المكان ويشعر الجميع بالراحة, فهناك كثير من الدراسات السلوكية أثبتت أن الإنسان أكثر إنتاجا وأكثر حرصا على أداء عمله وأكثر تهذيبا في سلوكه، وحتى أقل عرضة للخطأ في أماكن العمل التي تكون نظيفة ومرتبة, بل إن حتى أمور السلامة تكون في أفضل حال عندما يكون المكان نظيفا ومرتبا. والأمر الثاني الذي يفتقره كثير من مباني الجهات الخدمية هو الاهتمام بإضافة لمسات جمالية وفنية للمكان, وهذا له تأثير نفسي في كل مَن يرتاد المكان وبالأخص العاملين فيه ويتحسن بذلك حتى تعاملهم فيما بينهم ومع الآخرين. هناك بخل مبالغ فيه من قبل إدارات هذه الأماكن الكئيبة في تجميل أماكنهم وليس هذا الأمر بالمكلف ماديا وإن مردوده النفسي والإنتاجي لكبير جدا. أما العامل الثالث فهو الاهتمام بجودة الهواء داخل المبنى, فالتهوية غير الجيدة تشعر الإنسان بالخمول والكسل، وقد تسبب له الصداع والحساسية ولها أيضا بعض التأثيرات الصحية المزمنة وربما الخطرة على المدى الطويل.
هناك حاجة حقيقية وملحة لتطوير القطاع الخدمي وتحسين مستوى المهنية والإنتاجية فيه ولكن ليس بالمقدور تحقيق هذا الأمر ونحن لا نهتم بالمباني نفسها, فهناك مبان هي في الأساس كئيبة وبالتأكيد سيصاب بالاكتئاب من يعمل فيها أو يرتادها, فتخليص هذه المباني من اكتئابها له دور كبير في تحسين بيئة العمل، وهذا الأمر ليس له علاقة بقدم أو حداثة المبنى, فقد يكون عندنا مبنى حديث وجديد ولكنه كئيب بل ربما مريض, فمنظمة الصحة العالمية تذكر في إحدى دراساتها أن ثلث المباني الجديدة هي مباني مريضة وربما تتحمل هذه المباني المريضة أكثر من نصف الأمراض التي قد تصيب الإنسان، إضافة إلى ما قد تجلبه لنا من ضيق وكآبة.