العيد: العودة إلى الذات وتنقية الهموم
كل شيء في هذا الوجود بحاجة إلى طاقة يستمد منها بقاءه ووجوده، والطاقة وإن تعددت أنواعها وأشكالها هي في جوهرها نور من نور الله الذي يفيض على كل الموجودات، الله نور السموات والأرض، والإنسان وهو أشرف الموجودات وأكرمها على الإطلاق، ولقد كرّمنا بني آدم، اقتضت الحكمة الإلهية أن ينفخ الله فيه من روحه المقدسة، فبطارية الإنسان الروحية مرتبطة بالله - سبحانه وتعالى - ولا يعوق هذا الاتصال أو يمنع روح الإنسان من أن تستنير بنور ربها وخالقها إلا الإنسان نفسه. فالهوى والشهوات والرغبات الجسدية هي حجب إن تمادى بها الإنسان شكلت حوله جدران وأسوار تقف في طريق هذا النور من أن يصل إلى روحه وعندها تذبل روح ذلك الإنسان وتنفر من الخير وتستضعفها الشياطين وتفترسها وحوش الشر والرذيلة. ومن نعم الله - سبحانه وتعالى - أن من على الإنسان بمحطات روحية يومية وسنوية وعمرية وأخرى مفتوحة له طوال الوقت ليشحن بطاريته الروحية، وبها يحقق له قدرا من الأمن حتى لا تضعف روحه ويخترق روحيا ممن لا يريد الخير له. وشهر رمضان هو من أعظم وأشرف هذه المحطات الروحية، والإنسان مدعو في هذا الشهر ليشحن روحه بقدر ما يستطيع من نور السماء.
وفي العيد وبقدر ما يشعر به الإنسان من حزن لفراق شهر الله، شهر القرآن وشهر النور والرحمة، إلا أنه تنتظره فرحة كبيرة وهي فرحة العيد، وأيام العيد هي الأخرى محطة روحية مهمة بل هي محطة من أهم محطات شهر رمضان المبارك، حيث يكون الإنسان المؤمن الصائم على موعد مع تشغيل ما عنده من بطاريات روحية قد استكمل شحنها بأنوار وبركات هذا الشهر الكريم. إن العيد هو محطة يستكمل فيها الإنسان مسيرته التي بدأها مع بداية الشهر الكريم نحو ذاته ونفسه. وليس هناك عودة أبرك وأنفع وأفضل على الإنسان من عودة الإنسان نفسه إلى ذاته. قد تأخذنا الحياة بشهواتها وملذاتها وأطماعها ونزواتها بعيدا عن ذواتنا، وكلما بعدنا عن ذواتنا بعدنا عن مصدر النور الإلهي الذي ينير طريقنا ويهدي نفوسنا. ومن فضل الله علينا أن هدانا إلى طرق ومسارات تتيح لنا الفرصة للعودة مرة أخرى إلى ذواتنا.
كلما ابتعدنا عن ذواتنا وفطرتنا النقية الصافية المستنيرة بنور الله ما وقعنا في دائرة من دوائر الشر علينا، وصحيح أن مثل هذه العودة المباركة إلى الذات هي الطريق الذي يقربنا من الله، وهو طريق ليس له نهاية ولكن مع كل خطوة فيه يتحقق اللقاء مع الله ومع كل تقدم في الطريق تتحسس روح الإنسان بركة نور الله الذي يغشاها، "يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه"، فمسيرة الإنسان نحو ذاته هي الاقتراب من فطرته والطريق إلى الفطرة هو الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
وأكثر ما يحس به الإنسان وهو في طريق العودة إلى ذاته هو السلام والاطمئنان، "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". هناك قدر كبير من الخوف يعيشه الإنسان في الوقت الحاضر. فإنسان اليوم يعيش خوفا مستمرا، وكلما تطور هذا الإنسان بعلومه المادية والنفسية ازداد يقينا بأنه كائن ضعيف لا حول ولا قوة له. وكيف لا يخاف هذا الإنسان وهو يرى نزعة التسلط والقهر قد حشدت له من الأسلحة المدمرة ما بامكانها أن تدمر العالم مئات المرات، وكيف له أن لا يخاف وهو يشهد ظاهرة انتقال الأمراض من الحيوانات والنباتات إليه، وكيف له أن لا يشعر بالقلق وهو يسمع تحذير خبراء وعلماء البيئة بأن الطبيعة قد أوشك صبرها أن ينفد من استعلاء الإنسان عليها وعدم الاكتراث بما يسببه من أضرار وتلوث لها ولأنظمتها وبالتالي على الإنسان أن يستعد ليواجه غضب الطبيعة عليه بأعاصيرها المدمرة وشحة مواردها وفساد هوائها وتلوث مياهها. إن الإنسان بحاجة في هذا العيد إلى أن يستذكر فطرته وذاته ليباشر رحلة العودة إليها ليستعيد ما فقده من أمن وسلام واطمئنان. إن الإنسان بحاجة إلى أن يبعد هذا الخوف والقلق عن حياته قبل أن تتحقق نبوءة منظمة الصحة العالمية ويصبح الاكتئاب هو المرض رقم واحد في حياة الإنسان في خلال عقد من الزمن.
والأمر الثاني هو الابتلاء بالفتن، وما أكثر الفتن التي تحيط بالإنسانية في الوقت الحاضر، فخلافاتنا لا تحتاج إلى جهود كبيرة لتتحول إلى نزاعات، والنزاعات التي قد تبدو لأصحابها على أنها نزاعات بسيطة وشكلية سرعان ما تتحول إلى معارك تسفك فيها الدماء وتستباح فيها الديار وتنتهك فيها الأعراض وتقتل فيها النفوس. وهل نعلم أن الفتن على أنواعها وأشكالها ما هي إلا لغة النفوس التي تستبطن الكراهية في داخلها، فالكراهية هي طاقة سلبية مدمرة تفتك بصاحبها وتنشر الدمار على من حولها. فكل إنسان عليه أن يستثمر هذا العيد وغيره من المحطات الروحية ليعود إلى ذاته ليقتلع ما علق بها من أشواك الكراهية والحقد والبغضاء. ليس هناك كراهية بيضاء وأخرى سوداء وليس هناك حقد مشروع وحقد غير مشروع ولا يعرف جوهر الإنسان ولا تعرف ذاته بأن هناك بغضا محمودا وآخر منبوذا. فالكراهية نار تحرق كل شيء طيب في حياة الإنسان، فلنطفئ هذه الكراهية في قلوبنا في هذا العيد ولنعود أو لنهرب إلى ذواتنا تاركين وراءنا ما كنا نتحجج به من مبررات على أنواعها لتبرير كراهية بعضنا لبعض وحقدنا على بعضنا وممارسة القطيعة مع بعضنا. إن كل الفتن على أنواعها وأشكالها التي قد يعانيها أي مجتمع لا تظهر ولا تتسع دائرتها إلا في مجتمع الكراهية، ومن يريد أن يتخلص من الفتن والاضطرابات الاجتماعية أو على الأقل يحصرها في أطر ضيقة وفي دوائر محددة فليهتم بنشر ورعاية ثقافة المحبة، والأعياد هي من الفرص الثمينة والمحاطة بالقداسة الدينية لتعزيز مثل هذه الثقافة.
وفي أي محطة يلتقي بها الإنسان بذاته سيجد أن من أول ما يواجهه هي دائرة همومه، والهموم هي تلك الأشياء التي تشغل فكر الإنسان وتستهلك معظم طاقته، وسعادة الإنسان لها علاقة بتلك الهموم ونوعيتها وترتيبها في دائرة همومه. لا يستطيع الإنسان بل من غير المطلوب أن يخرج الإنسان من دائرة همومه لكي يشعر بالراحة والسعادة، كما يدعى أو يقال من قبل بعض المهتمين بالثقافة المخصوصة بسعادة الإنسان، ولكن المطلوب وهو الممكن أن يهتم الإنسان بفحص وتنقية دائرة همومه. فمعظم مشاكل الإنسان المؤدية إلى شعوره بعدم الإحساس بالسعادة هي أننا إما نسمح لأشياء كثيرة لأن تدخل في دائرة همومنا وهي لا تستحق هذا المكان وهذه المرتبة وإما أننا لا نجيد ترتيب هذه الهموم فننشغل بالوضيع من همومنا على حساب الرفيع منها ونولي وجهتنا للمهم منها على حساب الأهم، وهكذا تضيع طاقاتنا وتشتت أهدافنا. وما يتيحه لنا العيد عندما نلتقي بذواتنا هو أن نفحص مكنون دائرة همومنا وأن ننقيها مما قد دخل فيها من الهموم التي ربما كانت مصدر قلق وخوف وتشتت وهي لا تضيف شيئا لحياتنا، فتذكر النعم التي عند الإنسان في هذا العيد سيتكفل لوحده بشطب الكثير من تلك الهموم الوضيعة التي قد ازدحمت بها دائرة همومنا.
وأخيرا يمكن القول إن العيد يبقى فرصة ولكن الفرص تمر مر السحاب والسعيد والفائز من يغتنم مثل هذه الفرصة، فرصة العيد، للعودة إلى ذاته وتنقية همومه، فالإنسان الصائم يستقبل يوم العيد وبطاريته الروحية ممتلئة على الآخر وهي قادرة لأن تدفع به كالصاروخ إلى أفلاك ذاته، ولكن هناك من الناس من يعود بسرعة مبتعدا مرة أخرى عن ذاته وهناك آخرون ممن يقيمون لهم محطات دائمة في محيط ذواتهم ليبقوا على قرب منها، فعيدكم مبارك وأيامكم سعيدة وكل عام وأنتم بخير.