لماذا لا تُعامل إسرائيل معاملة النظام العنصري في جنوب إفريقيا؟

دعا القس ديزموند توتو من جنوب إفريقيا ورفيق مانديلا والحائز على جائزة نوبل للسلام إلى الضغط على إسرائيل مثلما حدث معه النظام العنصري في جنوب إفريقيا. وكان القس توتو قد أوفد في مهمة لتقصي الحقائق من جانب الأمم المتحدة في آذار (مارس) عام 2009 حول إحدى جرائم إسرائيل عام 2002 في غزة، فاتضحت له أبعاد الإجرام الإسرائيلي وعنصريته، ولذلك دعا المجتمع الدولي إلى تفكيك هذا النظام العنصري مثلما فعل مع جنوب إفريقيا العنصرية عن طريق العزل والعقوبات والضغوط. ويدرك القس توتو بالطبع التحالف الآثم الذي كان قائماً بين نظام إسرائيل العنصري الاستعماري ونظام بريتوريا العنصري الاستعماري، ولكنه أدرك أيضاً بعدا أخطر في نظام إسرائيل، وهو أن الصهاينة يعملون وفق مشروع إحلالي يستند إلى أوهام دينية وخرافات وأكاذيب تاريخية، بينما كان البيض في جنوب إفريقيا لا يدعون أنهم جاءوا لاسترداد أراضي أجدادهم من القبائل الإفريقية. فالبعد الإحلالي الأيديولوجي هو الذي يميز إسرائيل عن جميع التجارب الاستعمارية العريقة عبر التاريخ.
ويبدو أن سقوط النظام العنصري في جنوب إفريقيا بسبب نضال الأفارقة والتفاف العالم كله حولهم وتغير البيئة الدولية والمعطيات الاستراتيجية للتحالف الغربي وأهمها انتهاء الحرب الباردة، قد شجع عرفات على المقارنة الدائمة بين مصير البيض في جنوب إفريقيا ومصير اليهود في فلسطين, وظن أن تيار التغيير القادم من الجنوب سوف يلحق بالساحة الفلسطينية، وظل يحلم بالاستقلال خاصة على نموذج ناميبيا التي أفلتت من قبضة النظام العنصري بعد سقوطه، دون أن يدرك الملف الإفريقي والملف الفلسطيني والتباين الشاسع بينهما في المعطيات والحسابات، وأهمها أن إسرائيل شركة مساهمة غربية تقوم بدور وظيفي في قلب العالم العربي، وأن عنصرية إسرائيل قائمة على نظرية عدم التكافؤ بين اليهود والفلسطينيين ونظرة اليهود إلى الفلسطينيين على أنهم غزاة لفلسطين يجب طردهم واسترداد الأرض منهم، بينما عنصرية نظام بريتوريا كان قائما على أن الأبيض المستعمر أرقى من الأسود المتخلف، وإن اتفق المشروعان في فلسطين وجنوب إفريقيا على نظرة البيض هناك واليهود هنا على أن أرض فلسطين وأرض جنوب إفريقيا أرض بلا شعب، أي شعب ليس له أهلية قانونية للتمتع بحقوق الموقع.
فإذا كان نظام بريتوريا قد انتهت وظيفته في سياق الاستراتيجية الغربية، فإن نظام إسرائيل ظل يجدد وظيفته بتغير النظم الدولية المختلفة والتي تكيفت معها إسرائيل بمرونة كبيرة.
وقد طرح القس توتو قضية التشابه المطلوب بين نهاية النظام العنصري في جنوب إفريقيا والنظام العنصري في إسرائيل دون أن يتنبه إلى أن جوهر القضية ليس النظام ولكن الكيان الصهيوني نفسه الذي اتخذ العنصرية أداة ونتيجة تلقائية لطبيعته التي أشرنا إليها. ولعل هذه الفوارق جميعاً بين جنوب إفريقيا وإسرائيل فضلاً عن البيئة العربية الرخوة والمطامع الاستعمارية في هذه المنطقة هي التي جعلت العالم ينظر إلى إسرائيل نظرات متفاوتة، حيث يراها البعض حقيقة فرضتها معادلات القوة, وأن إسرائيل يجب أن تتعايش مع الفلسطينيين في إطار تسوية سياسية، وأن ذلك لن يتم إلا بالضغط الدولي عليها، وهذا هو ملخص نظرية القس دزموند توتو.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي