العالم يبحث عن إنجاب المزيد من الأطفال (1 من 2)

|
تحديد النسل أو سياسة الطفل الواحد أو سياسات الأسرة الصغيرة أو تحديد عدد الأطفال .. إلخ سياسات اتبعها العالم إما قسرا أو اختيارا أو كرد فعل للتطورات الهيكلية الحادثة على الأصعدة الثقافية والاقتصادية أو الاجتماعية. وقد حدث ذلك عندما خرجت علينا كثير من الكتابات التي ارتكزت على النظرة التشاؤمية لـ ''روبرت مالثاس'' حول ما يسمى القنبلة السكانية والتي تهدد بقاءنا على سطح الكرة الأرضية، بصفة خاصة من قبل ما أسمي بـ ''نادي روما'' الذي قدم في سبعينيات القرن الماضي تقريره الشهير الذي ضم عدة سيناريوهات تشاؤمية حول اتجاهات استنزاف الموارد المتاحة في العالم مع النمو السكاني الهائل واحتمالات أن يضع ذلك كوكب الأرض على أعتاب الكارثة. بعد نحو أربعة عقود فقط من نشر تقرير نادي روما أصبح من الواضح أن الكثير من الفروض التي قام على أساسها التقرير حول مستقبل الإنسان على سطح الكرة الأرضية كان مغالى فيها، أو غير صحيحة، وأن الكرة الأرضية يمكنها بالفعل استيعاب أعداد كبيرة من السكان مستفيدة في ذلك من التطور التقني الهائل الذي يمكن البشر من رفع كفاءة استغلال الموارد المتاحة له، ومن ثم إرخاء القيود حول ما يسمى بالحد الأقصى لمعدل النمو السكاني الذي يتماشى مع قدرة الأرض على إعالة السكان الذين يعيشون عليها. العالم الآن أصبح يواجه مشكلات سكانية ولكن من نوع مختلف تماما عن تلك التي عايشها في القرن الماضي. ويمكن تلخيص أهم التغيرات السكانية التي تمر بالعالم حاليا في انخفاض معدلات الخصوبة، أي ضعف الإقبال على إنجاب الأطفال، بصفة خاصة في المجتمعات الصناعية، والارتفاع المستمر في توقع العمر عند الولادة، الأمر الذي يؤدي إلى تحول المجتمعات السكانية في الكثير من مناطق العالم إلى مجتمعات شيوخ. على سبيل المثال في غضون سنوات قليلة سيصل عدد كبار السن في اليابان إلى نحو ربع عدد السكان، وهي نسبة كبيرة جدا وتحمل تهديدا حقيقيا لليابان في كيفية إعالة هذا العدد الضخم من الشيوخ وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة لهم، وهو مهمة يقع عبئها أساسا على عاتق السكان ممن هم في سن العمل. أحدث الدراسات المتاحة حاليا تشير إلى أن التهديد الحقيقي الذي يواجهه العالم حاليا لا يتمثل في ارتفاع معدلات النمو السكاني، وإنما يتمثل بصورة أساسية في انخفاض معدلات النمو السكاني وعزوف الكثير من الأسر عن إنجاب الأطفال نتيجة لظاهرة التحول الديموجرافي أو التغير الديموجرافي، والتي تتمثل ببساطة في انتقال المجتمعات السكانية في العالم من مجتمعات ترتفع فيها معدلات الوفيات والمواليد إلى مجتمعات تنخفض فيها معدلات الوفيات، وبالتالي معدلات المواليد. ومن ثم فإن السياسات السكانية في كثير من دول العالم لم تعد، كما كان عليه الحال سابقا، موجهة نحو الحد من نمو السكان والسيطرة على معدلات الإنجاب، وإنما في محاولة دفع الأسر لإنجاب المزيد من الأطفال بل وتقديم الحوافز اللازمة كافة لتحفيز الأسر على ذلك. فقد اكتشف العالم أن الاتجاهات الديموجرافية السائدة حاليا في دول العالم المتقدم ستؤدي إلى نتيجة واحدة لا مناص منها، وهي زوال تلك المجتمعات وانقراضها على المدى الطويل بفعل ارتفاع معدلات فقدان السكان نتيجة الوفيات مع ضعف القدرة على الإحلال محل هؤلاء الذي يتوفون نتيجة انخفاض معدلات الإنجاب لمستويات تقل عن الحد الأدنى اللازم للإحلال. على سبيل المثال فإن عدد سكان اليابان يبلغ حاليا نحو 126 مليون نسمة، ونتيجة لعزوف الأسر حاليا عن إنجاب الأطفال فمن المتوقع أن يتراجع عدد السكان في اليابان إلى نحو 90 مليون نسمة فقط في 2050، ما لم ترتفع معدلات الخصوبة الكلية للسكان ويقبلون على إنجاب مزيد من الأطفال. انخفاض معدلات الخصوبة (المواليد)، وليس ارتفاعها كما كان يعتقد سابقا، أصبح إذن يشكل التهديد الأساسي لبقاء السكان عند مستوياتهم الحالية على سطح الكوكب. ببساطة شديدة يحتاج العالم إلى معدل خصوبة كلي يساوي (طفلين لكل أسرة) لكي يستمر في الحفاظ على أعداد السكان عند مستوياتها الحالية، أي في مقابل كل اثنين من المتزوجين يتم إنجاب طفلين ليحلا محل هذين الزوجين عند وفاتهما. المشكلة الجديدة التي أصبح يواجهها العالم هي أن معدلات الخصوبة الكلية للكثير من المجتمعات السكانية في العالم أصبحت تقل عن اثنين، وهو الحد الأدنى اللازم لعمليات الإحلال السكاني والحفاظ على الحجم الحالي لعدد السكان. طبيعة المشكلات الجديدة التي يواجهها العالم سكانيا يمكن توضيحها من خلال مثالين: الأول هو حالة أوروبا، حيث يتوقع في الأجل الطويل أن يؤدي انخفاض معدلات الخصوبة بين السكان إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي في القارة الأوروبية. وهذه هي الخلاصة التي توصلت إليها دراسة للمكتب القومي للبحوث الاقتصادية NBER في الولايات المتحدة عن تكلفة انخفاض معدلات الخصوبة في أوروبا. فكما هو الحال في معظم دول العالم، مالت معدلات الخصوبة نحو الانخفاض فقد شهدت أوروبا انخفاضا واضحا في معدلات الخصوبة إلى معدل خصوبة كلي أقل من اثنين، أي أقل من معدل الإحلال، فيما عدا دولتين فقط في أوروبا اللتين تزيد فيهما حاليا معدلات الخصوبة عن اثنين وهما آيسلندا وألبانيا، وهو ما يعني أنه في ظل هذه المعدلات ستميل أعداد السكان في أوروبا نحو التناقص في الأجل الطويل. وتشير الدراسات الديموجرافية إلى أن هناك عوامل عديدة تقف وراء ضعف معدلات الخصوبة في أوروبا بشكل خاص، والعالم بشكل عام، أهمها انخفاض معدلات الوفيات بصفة خاصة بين الأطفال والتي تؤدي إلى تراجع معدلات المواليد من السكان نتيجة لارتفاع احتمال بقاء المواليد الجدد على قيد الحياة، وارتفاع مستويات التعليم ومن ثم تغير نظرة السكان حول الحجم الأمثل للأسرة، وانتشار ما يسمى بالأسر الذرية (الزوج والزوجة والأطفال) وتراجع مفهوم الأسر الممتدة (والتي تتكون من أكثر من جيل وهم الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، والتي تشكل تعاونا فيما بين أفراد الأسرة على إعالة الجميع)، وتراجع الدور الاقتصادي للذكور، وزيادة عمل المرأة ومن ثم قضائها أوقاتا أطول خارج المنزل، وبالتالي عدم قدرتها على توفير الرعاية المناسبة للأطفال، هذا إضافة إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مرت بها أوروبا. وقد أشارت الدراسات إلى أن كل طفل إضافي تنجبه السيدة الأوروبية يقلل من المدة التي تقضيها في العمل بنحو 1.9 عام، ومن ثم فإنه مع انخفاض معدلات الإنجاب تزيد السنوات التي تقضيها النساء في العمل، وهو ما يمكن المرأة من تحقيق معدلات أعلى من الادخار ومستويات أكبر من الخبرة وفرص أفضل للترقي.. إلخ. هذه هي الحسابات المادية للأسر، والتي تعمل في صالح عمليات تخفيض الخصوبة.
إنشرها