عواصف الانفصال في المنطقة العربية
إذا ألح قسم من الوطن على الانفصال وبلغ العداء بين الجزء والمركز حدا لا يطاق، هل يتخلص الكل من الجزء حفاظاً على سلامة الكل كما يفعل الطبيب حين يبتر الجزء الذي لا يرجى برؤه ونخشى أن يفسد بقية الجسد؟ وإذا بتر الجزء فهل يرتاح الجسد ويستألف حياته بلا أوجاع جديدة؟ ربما يختلف جسد الإنسان عن جسد الدولة، لأن بتر جزء من جسد الدولة يؤدي في الغالب إلى تآكل الدولة نفسها حتى لو كانت دولة فيدرالية يرتبط أعضاء الاتحاد فيها من خلال حكومة مركزية قوية. حدث هذا في الاتحاد السوفيتي الذي تفكك إلى جمهورياته الخمسة عشرة وأكبرها الاتحاد الروسي، ولكن قواعد الصراع الدولي دفعت واشنطن إلى تأليب بعضها في الفناء الخلفي لروسيا ضد النفوذ والوجود الروسي في هذه الجمهوريات، ولا يزال ملف جورجيا أكثرها تفجرا حتى هذه اللحظة، لأن واشنطن لن تقنع بأقل من تفكيك الاتحاد الروسي حتى تصبح القوة الروسية أثراً بعد عين. حدث ذلك أيضاً في الاتحاد اليوغوسلافي حين تمردت الجمهوريات على المركز الفاشل في صربيا ووقعت مجازر عرقية ودينية وقومية رهيبة طوال تسعينيات القرن الماضي وانتهى الأمر بصربيا وحيدة ضعيفة من الدول الصغرى ولا تزال تتمسك بأهداب مهلهلة في كوسوفو التي استقلت، ونجت بجلدها إلى الأبد.
في المنطقة العربية هناك مخطط بالفعل لتفكيك العالم العربي وتفتيت الدول العربية وآن الآوان أن نضع نظرية المؤامرة في حجمها الطبيعي. إذا كان المخطط معلناً، فكيف تؤثر العوامل الداخلية في إنجاح هذا المخطط بحيث ننفذه نحن ضد جسدنا بأيدينا. في فلسطين الجريحة المغتصبة تصارع الإخوان على سلطة مصطنعة كان يجب أن تكون محطة انتقالية وصولاً إلى الدولة ولكن السلطة صارت الهدف في ذاتها ولا محطات بعدها فتخلى الجميع عن منظمة التحرير وركزوا على الهيمنة على هذه السلطة التي ابتدعتها أوسلو كعظمة يتلهى بها الإخوة وقد صدق ما قرره بيريز في مذكراته عن أوسلو حين أكد أن أوسلو من المحطات الرئيسية لا تقل أهمية عن آثار 1967 بالنسبة للمشروع الصهيوني، حيث انقسم المجتمع الفلسطيني حولها وانتهى الانقسام إلى ثارات عالية وتحول الأخ إلى عدو لأخيه بدلا من إسرائيل وهذا مانبه إليه خادم الحرمين الشريفين في رسالته إلى مؤتمر فتح السادس في الأسبوع الأول من أغسطس 2009 حيث أكد أنه لو اتفق العالم كله على قيام دولة فلسطينية فلن تقوم مادام الشقاق بينكم مستمراً ومستعراً. وأظن أن هذا الشقاق هو الذي سينهي الملف الفلسطيني وتتحول المشكلة إلى الداخل العربي بعد أن تخف عن عائق إسرائيل.
في العراق تتأكد النذر في المنطقة الكردية، وفى اليمن تيارات عاصفة تهدد بتمزيق اليمن وما يترتب عليه من مخاطر للدول العربية المجاورة. وفى السودان تتزايد احتمالات انفصال الجنوب مع ما يطرحه ذلك من مخاطر على مجمل الجسد السوداني وفى الإطار العربي والإفريقي. وفى الصومال نيران مستعرة تم تدويلها بعد أن طالبنا في هذا المكان منذ أسابيع بسرعة تحرك العالم العربي والإفريقي لاحتواء الموقف. وأظن أن معالجة مفصلة لكل هذه الملفات وغيرها واجبة للتنبيه والتحذير.