ما علاقة حكم تحكيم أبيي بمصير الجنوب السوداني؟
قضية التحكيم في النزاع حول منطقة أبيي في السودان قضية فريدة لأنه للمرة الأولى يعرض نزاع داخلي على تحكيم دولي فقد تمسكت الحركة الشعبية لتحرير السودان خلال مفاوضات السلام في نيفاشا الكينية عام 2004، التي رعتها منظمة الإيجاد وأصدقاؤها وأقربهم واشنطن ولندن، بأن منطقة أبيي تتبع الجنوب على أساس أن اتفاق السلام يقوم على مشاطرة السلطة والثروة، وأن الاتفاق نفسه نص على أن الجنوب وحده يجيب في استفتاء يجري بعد ست سنوات من بدء تنفيذ الاتفاق عن سؤال واحد، إن كان يريد الاستمرار طرفاً في سودان واحد أم يختار أن يكون دولة مستقلة عن السودان. ولذلك فإن النية فى الانفصال هي التي جعلت ترسيم حدود منطقة أبيي قضية معقدة لتمر في مراحل انتهت بحكم صادر من المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي يوم 22/7/2009 ولينهى الحكم عقبة ظلت تؤرق مسيرة السلام بين الحركة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم. ولحسم هذا النزاع أبرم الطرفان بروتوكول أبيي وملحقا خاصاً به تحددت فيه خطوات الوصول إلى حسم النزاع. تبدأ الاجراءات بتشكيل لجنة من الخبراء يعين كل من الطرفين فيها خمسة أعضاء وواحد أمريكي وواحد بريطاني وثلاثة تعينهم «الإيجاد». مهمة اللجنة الاطلاع على المستندات والوثائق في كل مكان وتستعين بالخرائط لكي تقوم بمهمتها الأصلية وهي رسم حدود منطقة مشيخات الدنكا نقوك التسع التي انتقل الإشراف الإداري عليها عام 1905 من مديرية بحر الغزال إلى مديرية كردفان، ولا علاقة بلجنة الخبراء بمن يوجد الآن على هذه المنطقة وإنما تلتزم بتاريخ ومكان تحددا لها. لكن اللجنة اجتهدت فأخطأت في نظر الحكومة السودانية فحددت تبعية الأقاليم للقبائل العربية المسيرية وقبائل الدنكا الإفريقية. وكان اتفاق إحالة النزاع إلى لجنة الخبراء قد كلفها بالرجوع إلى خمسة مصادر هي الأعراف المحلية واتفاق السلام ودستور السودان المؤقت واتفاق إحالة النزاع فضلاً عن قواعد العدالة. يقضي اتفاق الطرفين بأنه إذا تعذر قبول التقرير من الطرفين، يحال النزاع إلى المحكمة الدائمة التي تقرر ما إذا كان تقرير اللجنة قد تجاوز صلاحياتها فتقوم المحكمة بمهمة اللجنة التي تجاوزتها وهي ترسيم وتحديد حدود منطقة أبيي المحددة مكاناً وزماناً كما أشرنا، أما إن كانت اللجنة قد عملت وفق مهمتها المحددة قامت المحكمة بتحديد خطوات تنفيذ تقرير اللجنة، غير أن الحكم صدر مقررا تجاوز لجنة الخبراء اختصاصها ثم رسمت المحكمة منطقة أبيي وفق ما طلبه طرفاً النزاع. رحب الجميع بالحكم وأعلنوا قبولهم له، ولكن الحركة الشعبية تريد آبار النفط التي أعطاها الحكم للشمال، مما قد يضعف دوافع الحركة لفصل الجنوب من الناحية الفعلية، لكنه سوف يدفع الحركة إلى الانفصال من الناحيتين السياسية والنفسية.
في كل الأحوال، فإن الحركة كانت تبيت النية للانفصال بدليل إصرارها على استفتاء الجنوب على الانفصال أو الوحدة مع الشمال، رغم الخطاب الوحدوي لزعماء الحركة ورغبتهم الترشح لرئاسة الجمهورية السودانية.
ما يهمنا في كل ذلك هو ألا يؤدي الحكم إلى عودة الصراع المسلح المرير، وإن كان الانفصال سوف يؤذن بفصل جديد من المخاطر على سلامة السودان.