مرة أخرى: من ينقذ القدس من قبضة الاستيطان الصهيوني؟
تدرك إسرائيل أنها تعمل على الأرض وأن العمل السياسي والدبلوماسي ما لم يكن حاسماً فإنه لا يؤثر في الواقع الذي تفرضه. وقد رسمت إسرائيل لنفسها أهدافاً محددة في هذه المرحلة تحقق بها معظم أهداف المشروع الصهيوني وهي تهويد القدس تمهيداً لضمه بأسلوب قانوني ولو بطريق الاستفتاء الدولي بعد غلبة أعداد السكان اليهود على من يتبقى من العرب، والاستمرار في التهام الضفة الغربية باستكمال الجدار العازل وتنشيط خطط الاستيطان والحصول على اعتراف من الدول العربية ليس فقط دون مقابل ولكن مكافأة لإسرائيل على أنها تصفي القضية تماماً. أما ما يعرضه نتنياهو بشأن الدولة الفلسطينية فهي إشاعة أوهام تخفي الحقيقة الساطعة وهي أنه في عصر نتنياهو سوف تتبدد مقومات أي دولة، بل إن عدم جديته دفعته إلى اقتراح دولة مؤقتة وهذا اقتراح قديم يرجع إلى عهد شارون وهو يقصد الاتفاق على دولة على الورق وفي هذه الأثناء تكون إسرائيل قد أجهزت على الأرض التي يجب أن تقوم عليها الدولة.
نحن إذن أمام حالة جديدة قديمة لكنها مؤلمة ولا تجدي معها الحلول التقليدية في المنطقة. نحن أمام حكومة تقول بصراحة إننا نضم القدس بالقوة فمن يملك القوة يمكنه أن يصدنا ومن يعدم هذه القوة فليوفر على نفسه مؤونة الاعتراض. وبين السكون العربي والإسلامي والدوران في المكان نفسه بالمؤتمرات والقليل من الهمهمات، وبين الجسارة الصهيونية تضيع أنات أهالي القدس وأصوات مؤذنيها وأجراس كنائسها. أما واشنطن فقد ألمحت لإسرائيل أن أحداً لن يعترف بما تفعله وهذا صحيح ولكن إسرائيل تفرض واقعاً على الأرض سوف يعترف به إن عاجلا أو آجلاً ولن يكون ممكناً إزالته بعد إقامته.
الحق أننا سكبنا على القدس دموعاً وأحباراً كان يمكن لوجرت لأغرقت إسرائيل، كما أننا عقدنا من أجل القدس آلاف المؤتمرات وأصدرنا لنصرتها أطناناً من الأوراق حافلة بالقرارات والدراسات والتنديدات والوثائق، فضلاً عن أن عشرات المؤسسات نشأت لنصرة القدس فماذا تجدي النزر إذا كانت حكومة نتنياهو تقوم بعملية جراحية لاجتزاز القدس وهويتها وتركيبها من الجذور وتسعى يوميا للقضاء على المسجد الأقصى. نحن إذن أمام جهود تثبيت الحق بالقانون إزاء برامج وضع اليد بالقوة. وإذا كانت القدس تهم كل العالم الإسلامي والمسيحي فماذا فعلت هذه المنظمات أمام هذا الواقع؟
إن إنقاذ القدس يتطلب دراسة للتحرك الإسلامي الشامل للمحافظة على هوية القدس ووقف الأعمال الإسرائيلية ولا يجوز أن يترك الأمر إلى الجانب الفلسطيني وحده، الذي تنفرد به إسرائيل بينما يتفرج العالم على هذه المأساة.
ونحن نعتقد أن الحكومات الإسلامية والهيئات الإسلامية العاملة في كل مكان تستطيع الضغط على إسرائيل بالطرق الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية وحشد الرأي العام العالمي ضد المخططات الإسرائيلية حتى لا يؤدي الخط الإسرائيلي نحو تغيير الواقع في القدس وإلى انتشار القلق بين الشباب الإسلامي فيؤدي ذلك إلى أعمال غير منضبطة ويكون المسؤول في النهاية هو سكوت الحكومات الإسلامية أمام ملحمة ضياع القدس.
ولعل منظمة المؤتمر الإسلامي تستطيع أن تدعو إلى قمة إسلامية لتدارس مواجهة هذا الخطر الذي يسابق الزمن ويكرس ضياع القدس.