الضغوط تتزايد على الدولار كعملة احتياط عالمية

|
تتزايد الدعوات في العالم لتقليل احتياطيات البنوك المركزية من الدولار الأمريكي، واستخدام عملة احتياط جديدة، بصفة خاصة من قبل الصين وروسيا اللتين تحاولان أن تقنعا العالم بأنه يحتاج إلى عملة احتياط جديدة تحل محل الدولار الأمريكي. فقد اقترح رئيس البنك المركزي الصيني أن يتم تعميق دور صندوق النقد الدولي في إدارة الاحتياطيات الدولية من خلال زيادة استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة وبحيث تكون هذه العملة الاحتياطية أكثر استقرارا. كذلك تشكك الرئيس الروسي ميدفيديف أكثر من مرة حول مستقبل الدولار كعملة احتياط دولية، ونادى بإنشاء عملة احتياط عالمية جديدة. فقد ترتب على الأزمة المالية العالمية تراجع الثقة في الدولار الأمريكي كعملة احتياط وكعملة ربط على المستوى العالمي، مع تصاعد القلق حول مستقبل الدولار، فالعجز المالي الكبير في الولايات المتحدة أدى إلى تصاعد مستويات الدين العام الأمريكي والمتوقع أن يتدهور بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة، حيث دخل الدين العام دائرة الخطر، في ظل تجاوز الولايات المتحدة للحدود الآمنة لنسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. للأسف فإن الولايات المتحدة أخذت في اتباع سياسات تيسير كمي يتوقع أن يترتب عليها ارتفاع مستويات التضخم الأمر الذي يؤدي إلى تراجع قيمة الدولار ومن ثم تدهور القوة الشرائية لاحتياطيات البنوك المركزية من الدولار الأمريكي، ومن ثم مزيد من التضخم، حيث إنه مع تراجع قيمة الدولار ستعزف البنوك المركزية عن استخدام احتياطياتها الدولارية في شراء أدوات الدين الأمريكي. وفي ضوء ضيق الأساس الضريبي في ظل ظروف الأزمة، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيجد نفسه مضطرا إلى شراء هذه الأدوات لتمويل العجز المالي الكبير للولايات المتحدة، الأمر الذي سيترتب عليه، لا محالة، أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بطباعة كميات كبيرة من الدولار لتمويل العجز، ومن ثم ارتفاع معدلات التضخم، الأمر الذي يؤثر في القوة الشرائية للدولار، وبالتالي حدوث خسارة لثروة كل من يحتفظ بالدولار الأمريكي خارج الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يهدد بفقدان الدولار لجاذبيته كعملة دولية. مثل هذا الوضع يقلق دول العالم التي تحتفظ باحتياطيات ضخمة بالدولار الأمريكي وبصفة خاصة الصين - التي أعربت هي ودول أخرى من بينها روسيا والهند عن رغبتها في أن يجد العالم عملة احتياط أخرى غير الدولار الأمريكي. فقد دعت روسيا مجموعة العشرين إلى البحث عن عملة احتياط أخرى غير الدولار، كذلك دعا محافظ البنك المركزي الصيني إلى إعادة إصلاح النظام النقدي الدولي، من خلال إدخال عملة احتياط دولية جديدة بدلا من الدولار، واقترح أن يتم إصلاح النظام النقدي الدولي الحالي من خلال إعطاء أهمية أكبر لدور صندوق النقدي الدولي والتوسع في استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة (العملة الرسمية التي يصدرها صندوق النقد الدولي) لكي تحل محل الدولار الأمريكي كعملة احتياط دولية. فحوى الاقتراح الصيني كما عرضه محافظ البنك المركزي هو أن يتم إنشاء عملة احتياط دولية لا ترتبط بدولة ما وتتسم بالاستقرار ومن ثم تحقق العدالة بين دول العالم أجمع، أي بالشكل الذي يؤدي إلى التغلب على أوجه القصور الناجمة عن استخدام عملة وطنية ترتكز على الائتمان الحكومي في إشارة واضحة إلى الدولار الأمريكي. عملة الاحتياط الدولية الجديدة المرشحة لكي تحل محل الدولار الأمريكي، كما تنادي الصين، إذن هي وحدات حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي. مشكلة الصين كما هو واضح أنها لديها كميات هائلة من الاحتياطيات بالعملات الأجنبية بسبب فوائضها التجارية الضخمة، وبالدولار الأمريكي بصفة خاصة، وعندما تبحث عن سبل استثمار هذه الاحتياطيات في صورة آمنة وشبه سائلة فإنها لا تجد سوى أدوات الدين التي تصدرها الولايات المتحدة، فتقوم حاليا باستثمار هذه الاحتياطيات الضخمة بمعدلات فائدة متدنية جدا، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الدولتين في هذا الجانب غير مريحة، فلا الصين ترغب في أن ترى أي تدهور في معدلات صرف الدولار كيلا تخسر جانبا من احتياطياتها، ولا الولايات المتحدة ترغب في أن تحول الصين من تفضيلاتها حول استثمار هذه الاحتياطيات الضخمة نحو وجهة أخرى كي تضمن تسويقا سهلا لأدوات الدين التي تصدرها. بعض المحللين لا ينظرون إلى الاقتراح الصيني على أنه اقتراح بريء ويرون أنه يخفي طموحات صينية في أن تمهد الأجواء لليوان الصيني لكي يلعب دورا منافسا للدولار الأمريكي على المستوى الدولي، خصوصا مع تعاظم القوة التجارية للصين، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يحدث دون تقليل القوة العالمية للدولار الأمريكي. وقد بدأت الصين بالفعل في عقد اتفاقيات مع بعض شركائها في التجارة لتسوية معاملاتها التجارية مع الصين باليوان الصيني، وهو ما يعد خطوة مهمة في اتجاه تفعيل دول اليوان على المستوى الدولي كإحدى أدوات تسوية المعاملات التجارية الدولية. ولكن هل يمكن بالفعل أن تلعب حقوق السحب الخاصة دور عملة الاحتياط العالمية، وهل يمكن أن يلعب صندوق النقد الدولي دور البنك المركزي للعالم. للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نفهم أولا ماهية حقوق السحب الخاصة والدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي والمتطلبات الأساسية لعملة الاحتياط الدولية. أصدر صندوق النقد الدولي وحدات حقوق السحب الخاصة لأول مرة عام 1969 على شكل عملة حسابية (أي في صورة قيود حسابية تضاف إلى احتياطيات الدول الأعضاء في الصندوق) لتستخدم كأحد عناصر السيولة الدولية، ويتم توزيعها على الدول الأعضاء وفقا لنسبة حصة كل عضو في رأسمال الصندوق، وهي بهذا الشكل تعد عملة رسمية، أي يقتصر التعامل فيها على البنوك المركزية في دول العالم، ومن ثم فإن الأشخاص والشركات لا يتعاملون في هذه العملة ولا يرونها لأنها ليس لها وجود مادي كالدولار. معنى ذلك أن هذه العملة ليس لها سوق بالمعنى المتعارف عليه، وإنما يتم تحديد قيمتها مركزيا من خلال سلة عملات يختارها صندوق النقد الدولي وبناء على أوزان تلك العملات في سلة عملات وحدة حقوق السحب الخاصة يتم تحديد معدل الصرف لها بالنسبة إلى باقي عملات العالم. وتتكون هذه السلة حاليا من أربع عملات هي الدولار الأمريكي, اليورو الأوروبي, الين الياباني, والجنيه الاسترليني. مقترح استخدام وحدة حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط دولية يقابله عديد من المشكلات الخطيرة أهمها: 1. أن صندوق النقد الدولي لا يستطيع حاليا أن يصدر كميات كافية منها للوفاء باستخدامات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط عالمية، كذلك فإن الكميات المصدرة حاليا من وحدات حقوق السحب الخاصة تعد ضئيلة جدا مقارنة بحجم السيولة العالمية. 2. أن النظام الحالي لتوزيع الإصدار من حقوق السحب الخاصة (نسبة حصة العضو في رأس المال) لا يضمن حصول كل دولة على احتياجاتها من تلك العملة لأغراض الاحتياط، ويعطي الدول التي ترتفع حصتها في رأسمال الصندوق مثل الولايات المتحدة، ثقلا في التعاملات على هذه العملة دوليا، خصوصا فيما يتعلق بإقراض فوائض حصتها إلى الدول الأخرى. 3. أنها عملة بدون اقتصاد يعبر عن قوتها أو بنك مركزي يدافع عنها، أو احتياطيات كافية تسندها، على سبيل المثال فإن إجمالي حجم احتياطيات صندوق النقد الدولي بأكمله أقل من أصول أي بنك تجاري كبير الحجم في العالم. 4. أن استخدامها يقتصر فقط على البنوك المركزية، والعملة لا تصبح دولية ومن ثم عملة احتياط، إلا إذا كان هناك استخدام كثيف لها على المستوى الدولي، وقد كانت هناك محاولات سابقة من قبل الصندوق للسماح للشركات المتعددة الجنسيات باستخدام وحدات حقوق السحب الخاصة، إلا أن التجربة لم تنجح. 5. إذا كانت وحدات حقوق السحب الخاصة محدودة الاستخدام، فإنها لا تصلح لاستخدامها كعملة احتياط، أي كعملة يستخدمها أي البنك المركزي للتدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن عملته المحلية، لأنه لن يجد الديناميكية السوقية اللازمة للتدخل السريع من خلال بيع أو شراء هذه العملة للتأثير في معدل صرف عملته المحلية. الرئيس الروسي ميدفيديف تشكك أكثر من مرة في مستقبل الدولار كعملة احتياط دولية، ونادى بإنشاء عملة احتياط عالمية جديدة. 6. أنه حتى لو تم استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط، فإنها لن تكون عملة ائتمان على المستوى الدولي، خصوصا خارج نطاق التعاملات الرسمية بين البنوك المركزية في دول العالم. وهو ما يقلل من قيمة هذه العملة كعملة احتياط، ويقلل من حجم العوائد التي يمكن أن تحققها البنوك المركزية من احتياطياتها. 7. أن استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط على المستوى الدولي سيتطلب تغييرا هيكليا في حجم صندوق النقد الدولي وحجم موارده المالية ونسب مساهمة دول العالم في رأسماله ودوره في فرض سياسات الاستقرار الاقتصادي على المستوى الدولي، وهو الأمر الذي قد يجد معارضة كبيرة من قبل القوى الاقتصادية العالمية بصفة خاصة الولايات المتحدة. كل هذه المشاكل يتلافاها العالم من خلال استخدام الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية، ولذلك يشكل الدولار الأمريكي حاليا نحو 86 في المائة من حجم التعاملات اليومية في السوق العالمي للصرف الأجنبي والذي يصل، وفقا لآخر الإحصاءات (قبل الأزمة)، إلى أكثر من ثلاثة تريليونات دولار يوميا، والباقي يتم أساسا باليورو وبدرجة أقل بعملات أخرى. لم يكتسب الدولار الأمريكي هذه المكانة من فراغ، فالدولار هو عملة أكبر اقتصاد في العالم والكميات المصدرة منه ضخمة جدا إلى الحد الذي يمكن أي دولة من أن تحصل على احتياجاتها منه لأغراض الاحتياط مهما بلغت، ويدعمه سوق ائتمان ضخم هو أكبر سوق للائتمان قصير الأجل في العالم، ويساعده حجم ضخم جدا لأدوات الدين التي تمكن دول العالم من تحقيق الاستفادة المزدوجة من احتياطياتها بالدولار، أي استخدام الدولار كعملة احتياط من جانب، وتحقيق عوائد على تلك الاحتياطيات من خلال شراء أدوات الدين الأمريكي قصير الأجل من جانب آخر. هذه المزايا تعطي الدولار الأمريكي البعد الديناميكي كعملة احتياط مثلى على المستوى العالمي. ومن ثم فإن بديل الدولار الأمريكي الذي يتمتع بهذه المزايا كعملة احتياط غير موجود بالفعل.
إنشرها