الفوز بغنيمة النفط العراقي (1)
صرح بيتر روبرتسون نائب رئيس مجلس إدارة شركة شيفرون تكساكو (إحدى عمالقة شركات النفط) في مؤتمر "النفط وغاز منطقة الشرق الأوسط" والذي عقد في دبي في دولة الإمارات في الثامن من أيلول (سبتمبر) سنة 2003.
" رغم أن القرار النهائي بدعوة الاستثمار الأجنبي مرهون بتولي حكومة تمثل العراقيين، فأنا واثق أن الدعوة ستصلنا في الوقت المناسب".
عبارة لها مغزاها من رجل لا يحسب على الساسة أو العسكريين، ولكنه من قلب المؤسسة النفطية التي تمثل العمود الفقري للمحافظين الجدد، فليس من المصادفة أن بوش الأب والابن وتشيني ورامسفيلد ومئات من تخوم الحكم الأمريكي من خريجي هالبيرتون وتشيفرون ـ تكساكو وأوكسيدنيال وبكتل، وليس سرا أنهم يعرفون الخطط الاستراتيجية قبل العسكريين الذين يكلفون بالتنفيذ لما في رؤوس هؤلاء.
وقد كان الوصول للنفط العراقي والهيمنة على هذا القطاع من ألفه إلى يائه جزءا لا يتجزأ من جدول أعمال الرئيس الأمريكي (ابن المؤسسة النفطية البار) في العراق، ويظل الحفاظ على هذا الهدف مستمرا في إطار عملية متدرجة، وكانت المرحلة الأولى هي:
ـ تطوير وتنشيط وتشغيل البنية التحتية للنفط العراقي بحيث تعمل بأسرع ما يمكن بعد الغزو (باعتبار النفط الهدف الأول للنهب).
ـ الثانية، إيجاد بنية قانونية تفتح البلاد في وجه الملكية الخاصة الأجنبية والاستثمار.
ـ أما الثالثة فكانت انتخاب حكومة عراقية يجري تسويقها عالميا والحصول لها على الاعتراف حتى يكون لها سلطة توقيع العقود مع شركات النفط الأجنبية.
ـ والرابعة، إكمال وتمرير قانون وطني جديد للنفط.
أما المرحلة الخامسة والأخيرة، فهي:
ـ ما تحدده الولايات المتحدة بعد أن تنتهي الشركات الأمريكية من توقيع كافة العقود وتبدأ في الإنتاج والاستثمار الفعلي.
وعندما غزا الجنود الأمريكيون العراق، أعطيت الأولوية لحماية وزارة النفط ومنشآت النفط والبنية النفطية الأساسية، وهي عملية لاحظها كل متابعي الغزو وأثارت استغرابهم، وأكدت ظنون رجل الشارع أن هؤلاء جاءوا للنفط فقط. وتحدثت إدارة بوش صراحة عن الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية للنفط، حتى يمكن الحصول على عائد لعمليات إعادة الإعمار بعد قيام الأمريكيين بتدمير البلاد (تدمير مقصود يتطلب أموالا نحصل عليها من النفط ـ صورة صريحة لحجج مستعمري القرن 21).
وقد حصلت هالبيرتون ـ المصنفة الأولى في شركات النفط من حيث الحجم والحظوة لدى موظفيها السابقين الذين يحكمون الآن فيردون الجميل ـ على عقد هائل مهول لتحقيق هذا الهدف، وتبعها في هذا المضمار عدد كبير من شركات النفط الأقل شأنا .. وإضافة إلى 160 ألفا من الجنود الأمريكيين (وثلاثة آلاف من أتباع الولايات المتحدة)، استقروا حتى اليوم في العراق، فقد استأجر الأمريكيون 14 ألفا من أفراد الأمن والحراس لحماية أنابيب النفط العراقية في 175 منشأة بما في ذلك 120 دورية متحركة لتوفير حماية مستمرة ضد التخريب. وجاءت نتيجة هذا الجهد غامضة (حيث تعرضت المنشآت لضربات موجعة تحملتها الميزانية العراقية المجهدة).
واستأنف الأمريكيون ضخ النفط الذي كان قد توقف أثناء الغزو وارتفعت معدلات الإنتاج لتصل إلى أرقام ما قبل الحرب، وهي 2.5 مليون برميل يوميا في آذار (مارس) سنة 2004، ومع بعض الارتفاعات في فترات قصيرة ثبت الإنتاج على مليوني برميل يوميا منذ ذلك التاريخ. ورغم أن هذا المعدل الإنتاجي يعد محترما وكبيرا بكافة المعايير، إلا أنه يقل كثيرا عن مخطط بوش ومحركيه في شركات النفط الذي لا يقل عن ثلاثة ملايين برميل يوميا. وبلغت الصادرات معدل ما قبل الحرب نفسه (1.8 مليون برميل) في حزيران (يونيو) 2004، ولكنها واجهت تقلبات شديدة بسبب عمليات التخريب وتصعيد المقاومة وفشل الأمريكيين في إصلاح الأنابيب. ورغم كل ذلك بلغت الصادرات نحو 1.6 مليون برميل يوميا و1.4 مليون برميل يوميا في أعوام 2004 و2005 على التوالي (قلت في العام التالي لاشتداد المقاومة)، وكل هذه الأرقام تقل كثيرا عن الأرقام التي زودت بها شركات النفط بوش ليحققها لها وهي أرقام لا تقل عن 2.3 مليون برميل يوميا.
ومن البديهي أن الإدارة الأمريكية تريد أن يتدفق النفط وتريده أن يتدفق إلى الولايات المتحدة دون غيرها، وقد نجحت في تحقيق ذلك فالواردات النفطية للولايات المتحدة من العراق على امتداد الثلاثين عاما الماضية كانت تتسم بالتقلب والتواضع، فقد بلغ الأمر في بعض الأحيان حد عدم وصول نفط عراقي للولايات المتحدة. ولكن من الغزو الذي وقع في سنة 2003، أصبحت الواردات النفطية مطردة ومنتظمة وكبيرة، وفي تشرين الأول (أكتوبر) سنة 2003، بلغت واردات الولايات المتحدة من النفط العراقي 734.5 ألف برميل يوميا، وهو رقم قياسي لم يتم تخطيه إلا ثلاث مرات على امتداد الثلاثين عاما الماضية، وفي نيسان (أبريل) سنة 2004، زادت الواردات وزادت أكثر في آب (أغسطس) 2004، لتبلغ 800 ألف برميل يوميا وهذا يمثل ذروة واردات ما بعد الحرب.
وفي المتوسط فإن الولايات المتحدة استوردت 542.6 ألف برميل يوميا منذ الغزو سنة 2003، وهو متوسط لم يتفوق عليه إلا معدلات أعوام 1989، 1999، 2000، و2001. ومعنى ذلك أن الحرب حققت:
أولا، انتظام الواردات. ثانيا، ارتفاع معدلات الأرباح وبفضل انضباط وصول النفط والزيادة المستمرة في أسعار النفط سنة 2004، وهو ما يعني أن قيمة واردات الولايات المتحدة من النفط العراقي قد زادت بنسبة 86 في المائة ثم زادت بعد ذلك في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2005.
بعد ثلاثة أشهر من الغزو تلقت "شيفرون" واحدا من أوائل العقود لتسويق نفط العراق. وقد وقعت منذ ذلك التاريخ اتفاقات طويلة المدى مع مؤسسة النفط العراقي الحكومية، كما فعلت شركات إكسكون موبيل وماراثون وغيرها. ولا توجد معلومات متاحة أو متوافرة حول ما تبيعه كل من هذه الشركات كل على حدة، غير أن مركز أبحاث معلومات الطاقة ذكر أن أكثر من 50 في المائة من إجمالي صادرات العراق النفطية ذهبت إلى الولايات المتحدة، وأن شركات شيفرون وإكسكون موبيل وماراثون استوردت الغالبية العظمى مع نسبة صغيرة تركتها لشركة شيل وبريتش بتروليم.
وهكذا يمكن القول إن دخول نفط العراق إلى السوق قد أسهم في ارتفاع وزيادة أرباح الشركات. وذلك بالإضافة التي تروجها الشركات دائماً عن تناقص كميات النفط الواردة من الشرق الأوسط بسبب حرب العراق وهي ذريعة رعائية لزيادة الأرباح، وكما هو الحال بالنسبة للقطاع الاقتصادي العراقي بأكمله يحظى قطاع النفط باهتمام مبالغ فيه من إدارة بوش وحلفائها. وقد استدعى بوش رؤساء شركات النفط لتقديم المشورة للإدارة حول السياسة النفطية العراقية قبل وقوع الغزو بستة أشهر، وكان أول هؤلاء فيليب كارول الرئيس السابق لشركة شيل (القسم الأمريكي) ومؤسسة فلور، وجاء بعده روب ماكي وهو رئيس سابق لشركة كونوكو فيليبس رئيسا لشركة إثفينتشر وهي جناح من أجنحة هالبرتون. وقد لجأت الإدارة أيضاً إلى إبراهيم بحر العلوم وهو عراقي شيعي عمل وزيرا للنفط من أيلول (سبتمبر) 2003 إلى حزيران (يونيو) 2004 ثم من 2005 إلى الوقت الراهن.
وبعد أربعة اجتماعات عقدت بين كانون الأول (ديسمبر) 2002 إلى نيسان (أبريل) 2003 اتفق أعضاء مجموعة وزارة الخارجية الأمريكية الخاصة بالنفط والطاقة أن العراق "يجب أن تفتح للشركات الدولية للنفط بأسرع ما يمكن بعد الحرب". مع التأكيد على أهمية "دخول القطاع الخاص في القطاعات الاستراتيجية بما في ذلك التخصيص وبيع الأصول والامتيازات وعقود الإيجار وعقود الإدارة خاصة في مجالات النفط والصناعات القائمة عليه".
وكانت الخلافات في إطار هذه اللجنة حول حجم الانفتاح المطلوب، حيث يرى الأمريكيون أهمية توزيع ثروة النفط على عدد كبير من الشركات الأمريكية ولا ينبغي أن يسمح بتركيزها في يد الحكومة المركزية والتخصيص هو أفضل سبيل لتحقيق ذلك في نظرهم.
وهناك مستويات متنوعة من التخصيص، فمنها مثلا قيام شركات خاصة بتملك نفط العراق داخل مكامنه وآباره، أو تخصيص شركة نفط العراق بالكامل. ولم يفكر المستشارون في أن إجراء من هذا النوع سوف يثير الشعب العراقي، ويقول بعض المستشارين إن الأفضل هو تخصيص بعض المرافق والأنشطة ولكن الرأي النموذجي الذي راق لهم كان اتفاقية المشاركة في الإنتاج Production Sharing Agreement (P S A) والتي سنتناولها في إطار المقال التالي.