البورصة الخليجية المشتركة وفكرة التكامل الاقتصادي

[email protected]

يتوقف مفهوم القوة لدى أي دولة من دول العالم على مجموعة من المتغيرات التي تتهيأ لها من خلال عوامل متعددة تمتاز بها الدولة عن غيرها, ولعل العامل الاقتصادي بشكل عام هو المحرك الرئيسي والفعال الذي من خلاله تكتسب الدول على وجه العموم مكانتها السياسية, وتختلف مكامن القوة الاقتصادية بين بعض الدول وبعضها الآخر إلا أن استغلال الدول الحقيقي لمصادر الثروة هو من أهم عوامل نجاحها.
إن تحقيق القوة الاقتصادية الفعلية لدولة ما على مستوى العالم اليوم لن يبرز
إلا من خلال إيجاد التكامل الاقتصادي ما بين الدول التي تنسجم وفق متغيرات
عملية تمكنها من التوافق الداخلي فيما بينها لتشكل في النهاية تكتلا في الثروات
من شأنه أن يسجل لها ثقلها الاقتصادي على خارطة العالم.
وتمثل دول الخليج تمركزا اقتصاديا لا يستهان به على الإطلاق سواء كان ذلك على المستوى العربي أو على مستوى العالم بشكل عام, هذه الثروة الاقتصادية التي تنفرد بها كل دولة في الخليج تأتي لتتفاعل مع متغيرات أخرى من ضمنها الشعور بوحدة المصير وتجانس الظروف الإقليمية والسياسية والاقتصادية وتطابق العادات والتقاليد والأعراف وتشابه الزوايا السياسية في النظر في القضايا العربية أو الدولية, وهذا ما يبرز بشكل واضح في مجلس التعاون الخليجي, وبالتالي فإن كل تلك العوامل الإيجابية تجعل المواطن الخليجي ينتظر خطوة كبيرة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي الذي من شأنه أن يصقل تلك العلاقات الدبلوماسية المتينة ويضعها على ميزان الثقل الاقتصادي عالميا, ليس لشيء إلا لأن دول مجلس التعاون الخليجي بينها من التوافق ما يجعلها تتجاوز موضوع عبور الحدود أو توحيد العملة أو حرية التملك للأفراد أو المؤسسات أو التعاون الثنائي بين دول المجلس في مختلف المجالات إلى ما هو أبعد من ذلك, من خلال إيجاد كيان اقتصادي صلب ربما يكون قريبا من فكرة الاتحاد الأوروبي الذي ولدت فكرته منذ خمسينيات القرن الماضي، وثم تبلور فعليا وفق اتفاقية ماسترخت الموقعة عام 1992م، والذي ضم فيها 27 دولة من الدول الأوروبية, وكل دولة لها مكانتها الواضحة على الصعيد الاقتصادي، الأمر الذي أعطى تلك الدول المزيد من الأهمية خاصة أنه يقوم على مبادئ ضمنية كان أهمها نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية شريطة أن تظل هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة.
أعتقد أن دول مجلس التعاون كثيرا ما طرحت مثل تلك الخطوات التي تم التخطيط لها في مواقع زمنية مضت, إلا أن تلك الأفكار تظل تنتظر الوقت المناسب لطرحها على المستوى التنفيذي, ولعل آخر الأنباء التي تناولتها وسائل الإعلام تحدثت حول وجود فكرة قريبة لإنشاء بورصة خليجية مشتركة هي خطوة بالغة الأهمية في رسم طريق اقتصادي أكثر استقرارا لدول المجلس, خاصة إذا وجدنا أن سوق الأوراق المالية الخليجي لكل دولة على حدة يظل أصغر إذا ما قورن بالأسواق العالمية هذا من جانب, أما من جانب آخر فإن توحيد البورصة سيكون له نتائجه الإيجابية الواضحة, ولعل
أهمها توطين رؤوس الأموال المحلية لتلك الدول وعدم هروبها إلى الخارج, إضافة إلى استقطاب رؤوس الأموال الخارجية والاستثمارات الكبرى, هذا إضافة إلى كثير من المتغيرات الإيجابية الأخرى التي من شأنها أن تعود على دول المجلس بالمزيد من الانتعاش الاقتصادي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي