"الاتصالات المتنقلة": بين تكاليف الرخصة وجدوى الاستثمار (1)
صدر قرار مجلس الوزراء يوم 11/6/2007 للترخيص لشركة الاتصالات المتنقلة بطرح 40 في المائة للمواطنين و10 في المائة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد (علماً أن بحوزتهم حصصا لا بأس بها في شركات الاتصالات الأخرى)، بعد أن فاز تحالف بقيادة شركة الاتصالات المتنقلة الكويتية بالرخصة الثالثة للهاتف اللاسلكي، حيث دفع أكثر من 23 مليار ريال وبفارق أكثر من أربعة مليارات ريال عن الذي يليه (نحو ضعف ما دفعته شركة موبايلي للرخصة الثانية). وجدت "موبايلي" نفسها في وضع مريح نسبياً خاصة أنها لم تدخل في منافسة على الأسعار مع شركة الاتصالات السعودية، واستطاعت "موبايلي" مع بعض المهارة التسويقية من الوصول إلى نحو ستة ملايين مشترك (الغالبية منهم من الشريحة الأقل من حيث ما يدفعه المشترك في المتوسط قياساً بالشركة السعودية للاتصالات وكذلك وجود الشريحة الأكثر استعمالاً للبطاقات المسبوقة الدفع).
دخول مشغل ثالث حتماً سيغير السوق وطبيعة المنافسة فيه، نظراً لأهمية هذا الموضوع سوف نطرحه في مقالتين، الأولى سوف تتعامل مع اقتصادية هذه الشركة في ظل تكلفة الترخيص العالية، ومقالة الأسبوع المقبل سوف تتعامل مع جدوى الاستثمار في هذه الشركة.
مراجعة سريعة لوضع الشركة المالي يتضح أن رأس مال الشركة المدفوع يبلغ 14 مليار ريال، ولذلك سوف تضطر الشركة إلى اقتراض عشرة مليارات ريال أخرى لدفع تكاليف الرخصة فقط ومبالغ أخرى لأغراض التأسيس والتشغيل. تتبع شركة موبايلي سياسة إهلاك مرنة جداً من خلال إهلاك تكاليف الرخصة على مدة عشرين سنة وكذلك سياسة مرنة في الاستهلاك، وإذا أخذت الشركة المتنقلة بنفس السياسة فإنها سوف تسجل تكاليف سنوية لا تقل عن ملياري ريال سنوياً (تكاليف إهلاك الرخصة إضافة إلى خدمة الدين) من غير التكاليف التشغيلية، لذلك فإنه يتطلب من الشركة الحصول على ما لا يقل عن مليون مشترك لتغطية إهلاك الرخصة وخدمة الدين (لا يشمل تكاليف رأس المال ولا التشغيل). لكيلا نوغل في التشاؤم لا بد من ذكر أن شركة موبايلي فاجأت الكثير بسرعة نموها، وكذلك خدمها عدم الرغبة في المنافسة على الأسعار مع شركة الاتصالات السعودية، ولكن حتماً سوف يتغير الوضع مع وجود منافس ثالث، فالشركة المتنقلة سوف تبدأ بمزاحمة شركة موبايلي على الشريحة الدنيا وهذه بدورها بعد تمكنها من هذا الوضع المريح نسبياً سوف تبدأ الرغبة في تسلق سلم الشرائح الأعلى التي لا تزال شركة الاتصالات السعودية تسيطر عليها، كذلك سوف يتنافس الجميع على الخدمات الإضافية الأخرى الأكثر مردوداً. في هذا الوضع وخاصة بعد أن تحول سوق الاتصالات اللاسلكية إلى سلعة فإن المنافسة سوف تكون على الأسعار إلا في حال تدخل هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات لحماية الأضعف المبتدئ (مما لا يتماشى مع الغرض الأساس من المنافسة بين المشغلين لخفض التكاليف على المستهلك). للمشغل الجديد مصلحة أكثر وضوحاً في الشركة فهو قد يكون جزءاً من استراتيجية في المنطقة خاصة أن سوق المملكة هو الأكبر ولا تزال هناك فرصة واعدة، حيث إن نسبة حاملي النقال أقل من دول الخليج والدول المتقدمة (ولو أن هناك مبالغة في التركيز على هذه الناحية، حيث إنها تعكس تركيبة السكان في المملكة، حيث إن أكبر شريحة هي من الفئات العمرية التي ليس لديها دخل)، العامل الآخر للمشغل الثالث هو حصوله على نسبة جيدة من الإيرادات (تقدر بنحو 8 في المائة) قبل أي تكاليف ولذلك بحصة من رأس المال تبلغ 3.5 مليار ريال، فهناك عائد ربح لا بأس به دون مخاطر تذكر ليس للمساهمين الآخرين حصة في ذلك. أداء الشركة التشغيلي والمالي سوف يعتمد في المقام الأخير على قدرتها في الأخذ بالاستراتيجية المناسبة والإبداع في الخدمات والتسويق وطبيعة السياسة الرقابية من قبل الهيئة.
أثبتت التجارب في أوروبا وأمريكا أن دفع هذه المبالغ الكبيرة مقابل الحصول على رخصة غير مجد للبعض وأدى إلى الإفلاس في بعض الحالات، ولكن الهيئات الرقابية تكون بين الحاجة إلى منافسة وتعظيم مصلحة الحكومة وبين الحاجة إلى القراءة المتوازنة التي تخدم اقتصاديات هذا القطاع الحيوي. حيوية هذا القطاع الذي أصبح مجالاً خصباً اقتصادياً وإبداعياً وبالتالي مصلحة الاقتصاد السعودي. الفارق الكبير بأكثر من أربعة مليارات ريال بين هذه الشركة والمنافس التالي كان مفاجأة لا تخدم ملاك هذه الشركة.
سوف تثبت الأشهر والسنوات القليلة المقبلة مدى قدرة الشركة من خلال تقديم خدمات منافسة والوصول إلى شرائح أعلى لتحقيق عائد مجز على رأس المال المستثمر. حققت الهيئة عائداً مجزياً للحكومة ولكن سوف يكشف الزمن وحده ما إذا كانت تسعيرة الرخصة عائقا لتحقيق عائد مجز للمستثمرين والتأكد من فاعلية المنافسة في سوق الاتصالات اللاسلكية في المملكة.