العشيقةُ الذئبة
.. إن كنتَ مدخناً، فلا شك أنك سمعتَ وشاهدتَ وقرأتَ آلافَ التحذيرات. إذن، لن يضرك أن تقرأ هذه الدراما التي استوحيتها من مقالة في جريدة Gulf Weekly للكاتب تشارلي بروكر بعنوان: "استأصـِلـْها!":
"لا مفر! يجب أن أعملها.
لا بد أن أقضي على هذه العلاقة العنيفة من التعلق والعذاب والكره والمقت.. والموت. يجب أن أنهي حملات الألم.
التدخين يا أصحابي أغبى ما يمكن أن يفعله الواحدُ منا لجسدِهِ الوحيد.. على الإطلاق. وكأنك ترمي جسدَك المسكين من على متن مركبٍ يخوضُ العبابَ.. لتتركه يغرق وينازع، وهو يصارع رهبة الأمواج.
وليت أن التدخين يكتفي بجعل أصابعَك صفراء، وأسنانـَك بلون الصدأِ الكالح، ولكنه يحول رئتيك إلى اللون القاتم الأسود.. نعم، الرئة. أدركتُ وكأني أطفئ أعقابَ سجائري المتجمرة بلون جهنم في رئتـَي اللتين كانتا بنسيج حريري بلون الورد.. أقولُ: كانتا!
كنت أمارس تعذيبا يوميا لجسدي، وكأني أعتى الأزنام والجلادين، بهذا النفخ الدخاني الذي لا يهدأ، ببلعِ النارِ لتسيل حِمـَماً بين لحمي ودمي. لقد تحولـَتْ رئتاَي بعد الجلد الناري لسنوات إلى مثل كيسَيْ الورق المهترئين، تتصافقان بارتخاء، وتتدليان كثمرتين جافتين معصورتين للنهاية.. ولم يبق إلا أن تكونا كما صار لصاحب لي - بل لعدة أصحاب - مثل فطيرةٍ متعفنةٍ محشوة بالأورام والأسفلت المتفسخ..
كان يجب أن أقف.. أنتشل جسدي الذي كنت ألوِّحُ به وسط أعاصير الموج، أعيد اللونَ البائد لرئتـَي المتغضنتين، أو بكلمةٍ واحدة: أن أعيد الحياةَ إلى حياتي. فقد كدت أصبح جثة متقيحة تمشي على قدمين!
ولكن.. فشلت. سنوات من المحاولات طارت، كغبار سجادة قديمة، أدراج الرياح. أهرب منها لتعود إلي، أو أعود إليها وهي تنبح مثل ذئبة جائعة لدمي ونسيج رئتي الغض، وكأني استمرأت أن تأكلني الذئبة.. وأن تنهش لحمي بأنيابها، وأنا أمسـِّدُ اللحمَ، لحمي، لها.. هنيئا مريئا.
لقد فشلت يا أصحابي، إنها علاقة العشق القاتل، العشيقة المستذأبة التي لا تكتفي من مص دم عشيقها حتى آخر قطرة، وتتطلع بظمأٍ حارقٍ للمزيد. وأعجبُ لحال من يرفع السيجارة الأولى بحثا عن المتعة والسلوى، وأشعر بالدمع الكاوي ينهمر مني أسفا عليه، وأسفا على هذه الشفاهِ الطازجة بالحياة والدم الفـَتِي تستقبل الذئبة الجمرية ليبدأ بنفسه ملحمة َالعذاب، ورحلة النهاية المليئة بمطبات الانسحاق والقرف والمهانة.. أمام ماذا؟ مجرد لا شيء، جماد بلا عقل.. إنه نداءٌ غبيٌ أحمقُ لجمرةٍ من السرطانات والقار، والسخـَم الأسود بلون المستقبل الذي سيصنعانه معا، المبتدئُ والسيجارة، تراجيديا سوداء أعرفُ نهايتها من أول نفخات البداية. ولكن هل أمنعه؟ هل أتدخل لإنقاذه؟ لا أظن، فقد انتهى مني نفـَسُ الإنقاذِ، صرفته على نفسي بلا طائل..
ها أنا أرى بشرتي تزيد في التغضن، وخلايايَ تتقصفُ من الجفاف، وجلدي يتحول إلى لون عدمي رمادي مرشوش بغبار البراكين. كيف لهذا الوجه الذي نـُحِتَتْ به تعابيرُ من به إمساك عسير ومزمن أن تكون له الشهية لأي شيء.. إلا شهية الأذى، ومتابعة كسيرة، وانقياد مثل انقياد الرقيق المسحوب بسلاسل وراء النخـّاسةِ التي لا تعرف معنى لحرية وصحة الحياة. إني واحد من المسخوطين على الأرض، من مساخيط مملكة السيجارة، حيث الانتماء الأوحد هو التدخين.. يا لبؤسي، يا لبؤسنا!
هجرتُ معذبتي أياما، وأسابيع أحيانا، ولكني أعود زاحفا على بلاط ديوانها الأسود ذي الرائحة العطنة مستجيرا بنارها.. عذابٌ أين منه العذاب الإغريقي.. مخيلة مخترعي أساطير العذاب الإغريقي لو عرفوا مقدار العذاب والألم المزمن الذي تؤديه السيجارة لصفوها بفخار بجانب رئيس آلهة الأولمب زيوس العظيم..
السيجارة السجن الذي يهرب مدمنها منه.. إليه!
وعندما خطبت محبوبة فؤادي، كذبتُ وأخبرتها أني لا أدخن - ليس كذبا كاملا فقد كنت وقتها ضمن محاولاتي للتوقف - ولما تزوجت، صرت أجد الأعذارَ كي أخرج أمجّ سيجارة ًبالظلام، أو مختفياً كخنفساءٍ وراءَ ركنٍ، ولا تخلو، أعترف لكم، من طعم اللذة المحرمة.. كنت في علاقة خيانة، لي عشيقة تنتشلني من أحضان زوجتي، كل لحظة. ولما وقعت سيجارة يوما من جيبي في غرفة النوم أمام زوجتي، تطلعت بيأسٍ إلى سقف الغرفة لعل السقفَ ينفتح لأتهم جاري الذي يسكن فوق داري. ولن أصف لك ما جرى لي من زوجتي ومعشوقتي السادية السيجارة، فقد تكون من ذوي ضغط الدم المرتفع، أو من أصحاب الحساسية العاطفية.
لا .. لا تلومني... جربتُ كل شيء، اللصقاتُ المانعة.. وأدمنتُ مع السيجارة اللصقات! وجربت من يأسي التنويمَ المغناطيسي، ولم أعد أرى بنوم اليقظة إلا السيجارة. وجربت حبة صيدلانية اسمها "زايبان Zyban".. وكادت بعد مدة تفقدني رشدي وتضيع عقلي بعد مدة من الاستخدام مع أنها نجحت في تخليصي من السيجارة.. فكان أرحم أن أعود لمن لا ترحم، وكأنها تعاقبني أشد وأنا أحاول هجرانها.
لا ليس هناك أسوأ من أدوية علاج إدمان التدخين، ليس هناك أسوأ من الموت.
إنما لآتي إلى النهاية، ففي محاولة إرادة فولاذية ومستعصما بكل خليةٍ تريد الحياة في كياني عزمتُ ورميتُ آخر سيجارة..
وأنا، الآن، أسعدُ بشريٍّ يمشي على كوكب الأرض ..