استيراد العقول

[email protected]

عجيب أمر العقل البشري، فهو عالم قائم بذاته، وحياة متصلة في النوم واليقظة. كما أنه ليس له حدود، ولا جنسية، ولا أتباع، ولا ملكية معينة بحيث يمكن، إذا تولدت أفكار في هذا العقل، الذي ليس له جنسيته ولا تبعيته، أن يقبض عليها الذين يعرفون قيمتها للاستفادة منها.
جالت هذه الأفكار في رأسي وأنا أقرأ مقالاً لكاتب أمريكي حضر حفل تخريج في إحدى الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة، المتخصصة في العلوم والهندسة. قال كاتب المقال إنه شعر بالضآلة والحزن، وهو يسمع مذيع الحفل يتلو أسماء الحاصلين على شهادة الدكتوراة في العلوم والهندسة وهم من الهند، والصين، وأوكرانيا وغيرها ففكر في لحظتها بالاتصال بالمسؤولين في مكتب الهجرة ليحضروا فوراً ويعطوا هؤلاء الخريجين المتميزين الجنسية الأمريكية لكي يبقوا في أمريكا حتى تستفيد البلاد من علمهم وموهبتهم.
ولإيمان الأمريكيين بأن تقدم بلادهم مرهون بوجود العقول المستنيرة، فقد بدأوا حملات مكثفة من أجل تسهيل حصول تأشيرات العمل للشركات الراغبة في استيراد العمالة الأجنبية المؤهلة والمدربة في مجال التكنولوجيا العالية.
ويعتقد الأمريكيون أنه لن يمر وقت طويل قبل أن يؤسس هؤلاء الوافدون شركاتهم الخاصة مما يعني المزيد من فرص العمل ومن ثم الازدهار الاقتصادي. وقد أعطى كاتب المقال مثالاً على ذلك قصة وادي الحرير Silicon Valley حيث مقر شركات الكمبيوتر في أمريكا وقال إن الهنود والصينيين قد أسسوا أعمالاً كبيرة هناك.
ورغم تقدم أمريكا في مجال تقنية المعلومات، إلاّ أنها قد تقهقرت من المركز الرابع عالمياً عام 2001م إلى المركز الخامس عشر الآن في مجال الدخول عالي السرعة في شبكة الإنترنت. ولقد ضحكت وبكيت في الوقت نفسه من حالنا في هذا المجال ونحن نقوم يومياً بإغلاق المواقع يميناً وشمالاً!!!
إنه شعور جميل أن يعتز الإنسان بوطنيته وأن تعمل الأوطان على بناء مستقبلها بأيدي أبنائها لكن يجب أن تكون للإنسان في الوقت نفسه نظرة شمولية ومستقبلية. وفي هذا السياق، فإننا لم ندرك أنه إذا استوردنا العقول من الخارج، وخلقنا لها البيئة الصالحة للعمل، فإنه سيكون لهذه الخطوة مردود إيجابي على المجتمع.
ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، أننا قد جلبنا أفضل الأساتذة والمتخصصين في العلوم، والتكنولوجيا، واللغات، والمدربين في مختلف المجالات وسمحنا لهم بطرح أفكارهم وساعدناهم على تدريس أبنائنا وشبابنا، وخلقنا مجتمعاً يقوم على قبول الرأي والرأي الآخر، فكيف سيكون حالنا؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف نفعل هذا؟ وكيف نستمر إذا كانت تأشيرة واحدة بكلمة "لا" من موظف صغير يمكن أن توقف أي مشروع ومهما كان حجمه!! كيف نغير تفكير بعض الناس الذين يعتقدون أن أي شيء قادم من الخارج يمكن أن يدمر عاداتنا وتقاليدنا؟
إن المجتمع القوي هو المجتمع الواثق من نفسه، الذي يتقبل الصالح من الأفكار ولا يتخوف من كل ما هو مستورد وإلاّ فإن مثل هذا المجتمع سيكون راكداً عديم القدرة على الحركة وسيكون أعضاؤه من المستهلكين وليس المنتجين.
إن المجتمعات السليمة لا تقعد مستكينة وتطالب بإعطاء الوظائف للمواطنين لمجرد أنهم مواطنون وليس بسبب الكفاءة العلمية والمقدرة الوظيفية. بل وتطالب هذه المجتمعات بإصلاح النظام التعليمي حتى يتوافر لديها خريجون أكفاء وليس ببغاوات تردد ما تسمع!! ولدينا من هذه الببغاوات ما يكفي ويزيد!!
ومثلما هو الحال في الولايات المتحدة، أرى أن تقوم الشركات الوطنية في المنطقة العربية باستيراد العقول المتميزة لأن اختلاط العقول الوافدة مع العقول المحلية سيخلق رؤية جديدة لدى المجتمع ويزيد بالتالي من سرعة التنمية والتقدم.
يجب ألا نقف متفرجين بينما العالم من حولنا يتحرك بسرعة الضوء....

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي