السعودة المنشودة والبطالة المستوطنة
ليس هناك خلاف على وجود بطالة في المملكة، وهو أمر لا يمكن إنكاره، الخلاف الوحيد هو حول نسبتها، فالجهات الحكومية تعلن نسبا يراها البعض مخففة ولا تعكس الأرقام الفعلية لهذه البطالة، بينما تعلن جهات أخرى غير حكومية نسبا أعلى، وليس في الأمر كما أظن محاولة لإخفاء الحقيقة إلى هذه الدرجة لأن الجهات الحكومية تعتمد في تقديراتها لحجم البطالة على ما هو مسجل لديها من طالبي العمل وهناك نسبة منهم لم يقدموا على التسجيل لقناعتهم بأنه لا فائدة من ذلك وأن عليهم الاعتماد على النفس في إيجاد عمل، وبالرغم من ذلك تبقى الحقيقة الأكيدة وهي أن البطالة موجودة وأنها في أول الأمر ونهايته مشكلة متنامية تماما مثل كرة الثلج المتدحرجة.
ارتبطت البطالة كمشكلة بالسعودة كحل، وهذا الارتباط برز منذ البداية لكون السعودة حاجة وطنية أمنية واجتماعية واقتصادية، ولهذا لم يكن مستغربا أن أولى الجهات التي اهتمت واحتضنت برامج السعودة هي وزارة الداخلية، وأن سمو الأمير نايف بن عبد العزيز كان من أوائل من أطلق الدعوة للسعودة وظل لسنوات يرعى كل أنشطتها ويدعم كل برامجها، وذلك لأن السعودة مطلب أمني في نهاية الأمر، أمني بالمعنى الشامل اقتصاديا واجتماعيا، لأن أخطر نتاج البطالة هو إنتاج عاطل عن عمل وهذا العاطل يكون لبنة طيعة للانحراف السلوكي وليس فقط الأخلاقي، وهذه أبرز مخاطر البطالة، فحين لا يجد الشباب المقبل على الحياة والمتطلع لبناء ذاته من خلال كسب رزقه وتأمين مستقبله فرص عمل بالرغم من حاجته وتأهيله فإنه يقع فريسة للبطالة المقيتة، والبطالة – كما أسلفنا – مدعاة لوقوعه ضحية للانحراف تحت وطأة خيبة الأمل التي تولد حالات إحباط مريرة نتيجة لشعور الشباب بأنهم باتوا عالة على أسرهم ومجتمعهم وهم قابعون بلا عمل وكسب يغنيهم عن ذلك، ولعل كثيرا من مشكلاتنا الأمنية التي نعاني منها بداية من السرقات وانتهاء باحتضان أصحاب الفكر الإرهابي الضال لبعض منهم وتيه بعضهم متاثرا بثقافات وافدة مظهرية، هي نتيجة منطقية للبطالة، فكيف نلوم شابا يحمل مؤهلا ما يقبع في بيت أهله لا شغل لديه ولا مشغلة كما يقال بينما سوق العمل يعج بالعمالة الأجنبية على كل المستويات وفي كل المهن .. وحين يطلب عملا أو يسعى إليه بجهده الذاتي يجد صعوبة بالغة في الحصول على وظيفة أو الانخراط في سوق العمل المسيطر عليه من أساطنة جزء منهم عمالة أجنبية .. أليس مثل هذا الشاب عبارة عن قنبلة موقوتة قد ينجرف للسرقة وربما الانخراط في عصابات السلب والسطو..؟ وهذا ليس مجرد احتمال، بل حادث فعلا، فكم قبض على شباب وقد سرقوا جهاز صراف أو دخلوا على بقالة وسلبوا صندوقها، ناهيك عن الإرهاب وفكره الضال الذي يستغل حالات الإحباط هذه لدى شريحة من الشباب العاطل عن العمل.
إذا كنا لا نختلف على أن البطالة مشكلة موجودة، فلن نختلف أيضا على أن حلها هو في السعودة، إلا أن واقع الحال يقول إن برامج السعودة لم تنجح أو على أقل تقدير كان نجاحها محدودا ولم يكن بقدر الآمال والتوقعات، وهذا يضعنا أمام سؤال كبير وهو: لماذا لم تنجح برامج السعودة بالرغم من مرور سنوات على إطلاقها ووجود جهات أنيط بها جزء كبير من مهمة السعودة سواء تلك المطالبة بالإعداد أو تلك المكلفة بالتشغيل..؟
لا شك أن عدم فاعلية برامج السعودة في حل مشكلة البطالة يعود إلى قصور في إسهامها الفعلي بتغذية سوق العمل بالعمالة الماهرة والفنية القادرة على تقليص وجود العمالة الأجنبية والانخراط فيه من خلال التوظف أو الممارسة الخاصة والذاتية، فمطلب القضاء على البطالة من خلال برامج السعودة ليس من المفترض أن يكون قاصرا على توفير فرص وظيفية بقدر ما هو، وهذا مهم جدا، وضع برامج تأهيلية وتدريبية لشريحة كبيرة من الشباب تمكنهم من الانخراط في سوق العمل والمنافسة الجادة على مختلف أعماله، فالمنطق يقول إذا لم تنجح برامج السعودة التدريبية والتأهيلية، على وجه الخصوص، في توفير عمالة وطنية فنية ومهنية في مجالات الصيانة والتشغيل كالسباكة والأعمال الكهربائية والميكانيكية وإدارة السوق وإلى ما غير ذلك من مهن وحرف ووظائف، فهذا يعني أن هناك خللا ما في برامج السعودة علينا مراجعتها ودراستها، فلا يعقل أنه وبعد كل هذه السنين والمصروفات والميزانيات ما زلنا نرى سوق العمل شبه فارغ من العمالة السعودية، بل ما زال وجودها في غالبية جوانبه مفقودا ونادرة في الوقت الذي نسمع فيه عن تدريب وتأهيل آلاف الشباب..!!
نعم نحن في حاجة إلى أمرين أساسيين لإنجاح برامج السعودة ومحاربة البطالة، الأول مراجعة برامج السعودة وخططها لتكون قادرة على الوصول لأهدافها من أقصر الطرق وهذا لن يكون إلا بمشاركة فاعلة مع مؤسسات وشركات سوق العمل وليس في تجاهلها، فالسعودة مسؤولية مشتركة بين مؤسسات القطاعين الخاص والعام، والثاني حماية سوق العمل من احتكاره من قبل العمالة الأجنبية وسيطرتها على جزء منه لإتاحة الفرصة للشباب السعودي للدخول فيه دون محاربة أو مضايقة منها، دون هذين الأمرين نكون كمن يطحن الهواء دون طائل، وشاهدنا حال السعودة التي لم تتقدم وتحقق ما يمكن أن يطمئن بجعلها ذخيرة لمحاربة البطالة بفاعلية.