المرأة ومستقبل التنمية

[email protected]

حقيقة يجب الاعتراف بها أولاً ثم التطرق لها بحديث هادئ متزن، هذه الحقيقة تتمثل في أهم قضيتين معوقتين للتنمية في المملكة، قضية خارجية لها تأثير سلبي في التنمية في المملكة وسوف أؤجل الحديث عنها في هذه المرحلة وربما يسعفني الوقت للحديث عنها وأسباب الاعتقاد أن لها دوراً في التأثير السلبي في التنمية في السعودية.
أما القضية الثانية التي تقف ونقف معها في حيرة وغياب واضح لما يجب أن نعمل لها ونعمل معها وكيفية التعامل معها ووصفها ووضعها ضمن إطارها السليم والصحيح، الإطار الذي يجمع جميع الأطراف ويوحد بين جميع المتناقضات والمناقضين تلكم هي قضية المرأة وكيفية التعامل معها واستيعابها ضمن منظومة التنمية البشرية السعودية التي تجري رحاها في مختلف مناحي الحياة في السعودية.
لا نختلف أبداً في أننا مختلفون في كيفية التعامل مع عمل المرأة وكيف يمكن استيعاب ذلك دون الدخول بها أو معها في نفق الكثير من الثوابت والعادات والتقاليد التي يجب احترامها واحتواؤها والعمل على تفعيلها لما يخدم إنسانة هذا المجتمع السعودي العربي المسلم العالمي الطموح المتطور.
الفجوة بين القرارات وبين الشريحة الأكبر من المجتمع السعودي فجوة واضحة وتبرز أكثر عندما تتخذ بعض القرارات التي لا تنبع من إحساسنا بمتطلبات المرأة، خصوصاً ما يتعلق بعملها ومجالاته ومتطلباته.
المرأة تعيش بين أطراف مختلفة تعتقد أنها أعرف منها بها، وهذه الأطراف هي التي تحدد لها ما يجب أن تعمل فيه وما يجب ألا تعمل فيه، بل إن بعض تلك الأطراف تحدد لها شكل وطريقة حياتها المستقبلية بناءً على معطيات الماضي، وهنا تبرز الفجوة بيننا وبين المرأة، وأقصد هنا بنا، مجتمع الرجل الذي يحدد ويمتلك القرار.
فجوة المجتمع الرجالي والنسائي اليوم في ازدياد مضطرب، فالمرأة في مجتمعنا أصبحت أكثر انفتاحاً على الرجل في الحديث والحوار، فحديثها مع السائق أو البائع أو غيرهما ممن تحتاج إليه في حياتها اليومية أعطاها نوعاً من الطمأنينة والجرأة في الحديث ورفع الصوت والنقاش الذي قد يصل إلى الحدة أو التهجم. والرجل في المقابل لا يجد مثل هذه العلاقة التي تجدها المرأة، وبسبب ذلك أصبحت نظرة أغلب الرجال وللأسف للمرأة على أنها إنسانة غير سوية، ودليل ذلك في عقول هؤلاء المرضى نفسياً واجتماعياً ينبع من جرأتها في الحديث مع الغريب. ويذهل الواحد منا عندما يسمع كيف أصبحت تقيم بعض النساء بناءً على ذلك، وكيف أن مثل تصرفها أصبح سبباً للاعتداء عليها واتهامها بمختلف التهم.
المرأة اليوم تعيش حياة مختلفة عن حياة المرأة في الماضي، خصوصاً في المدن الرئيسة التي أصبحت معها المرأة ربما هي العائل الوحيد لأسرتها، سواءً جميع الأفراد بمن فيهم الأب أو الأخ أو الزوج أحيانا أو جميع الأفراد في ظل غياب أحدهم أو كلهم بسبب وفاته أو هروبه من مسؤولية الأسرة. وأصبح مطلوباً منها العمل وإيجاد الدخل، وغياب الداعمين لها من أسرتها الصغيرة أو الكبيرة أو الأقارب أو الجيران يجعلها عرضة لمختلف وحوش المجتمع الذين يحاولون النيل منها مقابل تقديم توصية بعملها هنا أو هناك.
المرأة في الماضي لم يكن يطلب منها التعلم للعمل وإنما قضاء سنوات بسيطة في التعلم حتى تبلغ عمر الزواج المبكر، فتتزوج وهنا ربما تنتهي مشكلتها المادية مع الزواج على أساس أن رجل الماضي هو المعني برعاية زوجته وأسرته وتحقيق متطلبات الحياة وفقاً لإمكانات بسيطة ومتطلبات ضرورية لا تزيد على وجبة أكل أو قطعة قماش سواءً فراش أو لباس.
اليوم الأمور اختلفت، أصبحت الحياة أكثر تعقيداً وأكثر متطلبات، إضافة إلى التغير في السلوك الاجتماعي فلم يعد الزواج المبكر مطلباً للشباب، وأصبح تعلم الفتاة هو التعلم للعمل وليس لاستهلاك الوقت في انتظار الزوج.
التعلم للعمل بالنسبة للمرأة قضية يجب أن نقف أمامها لدراستها وتحليلها والمناقشة المستمرة والدائمة لها ولما يجب أن نعمل في سبيل صيانتها وحمايتها من تقلبات الدهر وغدر بعض الرجال. قصص تعرض المرأة لمحاولة الإساءة إليها لا تعد ولا تحصى مما يجعل الحديث عن مثل هذه القصص هدراً للوقت لأنها لم تعد تخفى على أحد. قصص محزنة ولكنها تحمل خلفها إساءات بالغة تزعزع المجتمع، يصعب بعدها الخروج منها بسلام، فالابتذال الأخلاقي في أي مجتمع وتنازل المرأة عن سلوكها السوي يدفعاها إلى الانتقام من المجتمع الذي قبل إساءتها لنفسها، وهذا يدفعها ويدفع مجتمعنا إلى طريق طويل جداً ومظلم نعرفه ونعرف حجم تأثيره في الأمم الأخرى، لأن الحاجة والفقر هما العدوان اللدودان لأي مجتمع، فكيف إذا جاءت الحاجة والعوز والفقر لامرأة ضعيفة ترى صغارها سواء من أطفالها أو إخوانها في حاجة لا يحققها لها إلا طريق الرذيلة - لا قدر الله.
العمل للمرأة السعودية لم يعد ترفاً يجب عدم الاهتمام به، ولكن أصبح حاجه ملحة، سواءً بسبب المادة أو الفراغ أو غيرهما من الأسباب التي إذا لم تدرس ضمن رؤية وطنية مخلصة تعرف ما هي المشكلة دون محاولة الاستخفاف بها أو التعالي عليها أو عدم القناعة بأنها مشكلة سوف تقود بعض نساء مجتمعنا - لا سمح الله - إلى طريق أو طرق لا يحمد السير فيها ولا يرجى لسالكها خير ولا تنتهي إلى أرض طيبة ولكن !!!
جميع الأطراف بغض النظر عن ميولهم وقناعاتهم يجب أن يعملوا مع بعضهم بعضا في سبيل العمل الصادق والمخلص لمساعدة نصف المجتمع على القيام بدوره في خدمة التنمية في مجتمعه ووطنه.
يجب أن يعلم الجميع أن الوضع لم يعد قصصاً تُروى عن حوادث فردية هنا وهناك، ولكن المشكلة تتوسع وهي تسير في طريق قد يصعب السيطرة عليه، بعد أن تصبح ظاهرة اجتماعية يساء إليها وتستغل ظروفها من أجل لقمة العيش، هذه اللقمة التي يعتقد البعض أن المرأة ليست مسؤولة عن توفيرها في ظل وجود ولي أمر لها، ولكن هذا الولي لم يعد موجوداً بالصورة التي ما زالت في ذهن البعض ممن يعارضون عمل المرأة ويجعلون في طريقها ألف سبب وسبب لمنعها من العمل على أساس حمايتها من شر الأشرار ولكن للأسف الشديد أن بعض الحرص على حمايتها يقودها إلى الطريق المهلك لها ولنا جميعاً.
دعونا نعترف أولاً بتغير الظروف ثم نعترف بالمشكلة ونعترف بعدم معرفتنا بحقيقة المشكلة وعمقها وآثارها ثم نعترف بأننا لا نملك كأفراد الحلول ولا نملك كتيارات منفردة الحلول، ولكن نستطيع كمجتمع مسلم أن نضع الأمر أمامنا لتقديم الحلول السليمة بعد الاعتراف بالمشكلة وتحليلها قبل فوات الأوان لأن عدم تدارك الأمر سوف يقودنا إلى تقديم العلاج لتهدئة المشكلة التي سوف تنمو مع الوقت حتى تتمكن وتستفحل في المجتمع. حقيقة أن الفعل المبكر خير ألف وألف مرة من ردة الفعل أو العلاج المهدئ المتأخر بعد فوات الأوان، دعونا نقدم نموذج العمل للمرأة المسلمة المعاصرة.
أعترف أنني لا أعرف الحل ولكن أعرف وأعترف أننا مجتمع الرجال أو الذكور نقف عقبة أمام تقديم الحلول لهذه الظاهرة التي لم نعترف بها بعد لأسباب عديدة، منها أن بعضنا يجهلها لبعده عنها، وبعضنا يخاف منها لاعتقاده أنها سوف تسيء لمعتقداته أو مبادئه أو مصالحه الصادقة، والبعض الآخر يريد أن ينغمس في أهوائها ويعيش في مكاسبها، والبعض سلبي لا يعنيه أمر مجتمعه في شيء، والبعض يخاف الحديث عنها حتى لا يتهم في دينه أو أمانته أو مسؤوليته، ولكن الحقيقة أن المرأة التي تستغل لن تكون هي الخاسرة الوحيدة، المجتمع كله سوف يدفع الثمن ولا ننسى قول الأزهـري " دقاً بدق ولو زدنا لزاد السقا". حمانا الله جميعاً من شرور أعمالنا.

وقفة تأمل:
" لموتُ الفتى خيٌر من البخل للفتى
وللبخلُ خـــــــــيرٌ من سؤال البخيل
فــــــــــلا تسألـــن من كان يسأل مرة
فللموت خــــــير من ســـــــؤال سـؤول
لعمرك ما شـــيء لوجهك قيمة
فــــــلا تلق إنـــــــساناً بوجـــــــه ذليل".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي