اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية الحلقة 16 والأخيرة
<a href="mailto:[email protected]">Ffaheem2006@yahoo.com</a>
ننهي اليوم رحلة استغرقت 15 حلقة سابقة حول الدور المخيف الذي يقوم به اللوبي الإسرائيلي، الذي أصبح حقيقة سياسية وكأنما هو مؤسسة سياسية أمريكية راسخة مثل مجلس الأمن القومي أو مجلس الشيوخ أو النواب أو وزارة الخارجية.
ولقد دخل في روع العديد من الأمريكيين أن اللوبي الإسرائيلي أصبح قدرهم، وهنا انقسمت الآراء بين غير عابئ يقبل الأمور على ما هي عليه، ويدخل في هذا الفصيل ملايين اللاهين وراء وظائف أو فرص عمل، يقولون "دع الملك للخالق" ويمثلون أغلبية صامتة خائرة في بلد يترنم بحقوق التعبير. والقسم الآخر الذي يهتم بمصير بلاده بدأ يتساءل: هل كتب علينا أن نشقى بأعداء غيرنا؟ هل أصبح دور الولايات المتحدة خدمة مصالح دولة أجنبية؟ ولماذا لا نقف بالتحليل الموضوعي أمام مصالحنا لنعرف أين مصالحنا؟
وهل هي مع إسرائيل أم مع الغالبية الجارفة من أصحاب الأرض العرب الذين لم يهددوا مصالحنا أبدا؟
وبين هذا الرأي وذاك تتصاعد نغمات قد تكثر لتصل إلى مواقف سياسية جديدة. والمؤكد أنه مع المحافظين الجدد والصهاينة المسيحيين فإن الفريق الأول سيزيد وسوف يستمر التأييد الأعمى وربما الانقياد التام لإسرائيل ولكن هناك بعض الأبعاد التي نود إلقاء الضوء عليها ونحن نختتم هذه السلسلة من المقالات التي اعتمدت أساسا على مصادر أمريكية محضة.
هناك أولا البعد الأخلاقي، فبفضل اللوبي أصبحت الولايات المتحدة أداة تمكين لإسرائيل للمضي قدما في سياستها التوسعية في الأراضي المحتلة. وأصبحت واشنطن دون شك متواطئة مع كافة الجرائم التي تمارس ضد الفلسطينيين. وهذا التصرف يقضي على جهود الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية خارج حدودها ويجعل الأمر يبدو متناقضا ومثيرا للسخرية عندما تضغط على بعض الدول وتطلب إليها الالتزام بحقوق الإنسان. ويصل النفاق إلى ذروته عندما تتحدث عن أهمية إيقاف تخصيب اليورانيوم والقضاء على أية جهود لتطوير السلاح النووي فيما عدا الترسانة الإسرائيلية التي تتغاضى تماما الحديث عنها وتشيح بوجهها لدى الاستماع إلى أي انتقاد لها. علما أن هذه الترسانة هي المفجر والمسبب الأكبر لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط في الحاضر والمستقبل.
ومن الأمور المثيرة للاستغراب ما يصنعه اللوبي عندما يتعلق الأمر بالهجوم على إسرائيل أو وضع تصرفاتها في ميزان التقييم، ذلك أن منع الحديث عن قضية أو دولة إنما يعني تماما إهانة للديمقراطية. لأن الديمقراطية تنطوي أساسا على حق التعبير، أما السماح بالتعبير في قضايا وتناول دول دون غيرها فهو مضاد للأسس الديمقراطية.
وأبرز ما يميز اللوبي هو تلك القوائم السوداء ونداءات المقاطعة التي يحركها اللوبي من خلال حملات البريد الإلكتروني ضد من يتجرأ وينتقدهم وهناك دائما تهمة معاداة السامية التي يجري إلصاقها فورا بمن يهاجم إسرائيل أو حتي يتناول بالتحليل الموضوعي تصرفاتها وعدوانها ضد الفلسطينيين.
وهذا بطبيعة الحال ضد الديمقراطية. والمثير أن الكونجرس الأمريكي غير قادر على إجراء مناقشة حرة حول هذه القضايا التي تمس إسرائيل، أو حول المدى الذي بلغته القيود على الحرية فأصدقاء إسرائيل لديهم كامل الحرية لعرض وجهات نظرهم ودحض وتقويض وجهات النظر المخالفة. ولكن على المسؤولين في الولايات المتحدة العمل على إيقاف الجهود الإسرائيلية لخنق وجهات النظر المعارضة وابتزاز أصحابها، وعلى الفعاليات السياسية الكبرى في الولايات المتحدة الحرص على تأمين حرية التعبير والمناقشات المفتوحة حول القضايا العامة.
وأخيرا يرى بعض المراقبين أن اللوبي لم يكن خيرا على إسرائيل، ذلك أن تأثيره في إقناع واشنطن بدعم التوسع الإسرائيلي أثني إسرائيل عن انتهاز الفرص المتاحة للسلام الحقيقي والتوصل إلى معاهدة سلام مع سورية والتنفيذ الكامل والفوري لبنود اتفاقات أوسلو، التي كان من الممكن أن تنقذ أرواح الكثير من الإسرائيليين وتقلل من حدة التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ذلك أن إنكار حقوق الفلسطينيين وحرمانهم منها لم يجعل إسرائيل أكثر أمنا، كما أن الحملة الإسرائيلية المطولة لقتل الزعماء الفلسطينيين أو تهميشهم زادت الشعب الفلسطيني ضراوة ونزعة للانتقام وإثبات الذات. وهو ما ظهر في اختيارهم لمنظمة حماس في الانتخابات الأخيرة وعبر الأساليب الديمقراطية. كما أن الزعماء الذين قتلتهم إسرائيل غيلة وغدرا وتحت عين ومباركة واشنطن كان من الممكن أن يكونوا أقدر الناس على إقناع شعبهم بجدوى التزام الهدوء واختيار السلام كبديل عن الحالة المستمرة من التوتر والقتل والقتل المضاد.
وإذا استمر الحال على هذا النحو فإن إسرائيل ستعيش أوهام التفوق وتتخيل وضعية الدولة العنصرية في جنوب إفريقيا التي ظلت تحكم الأقليات والكانتونات والدويلات المجاورة (سوازيلاند – بتسوانالاند – ليسوتو - ناميبيا) بالحديد والنار حتي تحطمت على صخرة الكفاح.
ومن سخرية القدر أن هذا اللوبي الذي يباهي بسطوته وقوته يعد عامل ضعف لإسرائيل، ودونه كان يمكن للولايات المتحدة أن تحصل لها على العديد من المكاسب عبر إقناع متبادل مع الطرف العربي. ولكن الغرق في بحر الانحياز أودى بمصداقية أمريكا وتصاعد بتطلعات الإسرائيليين حتى وصل إلى مشارف الحلم بقيادة المنطقة وهي الجسم الغريب المفروض فرضا، والضعيف في كل مجال ما عدا القوة العسكرية التي لا تصنع إلا حقائق مؤقتة.
ولكن هناك شعاعا من أمل، فرغم أن اللوبي مازال قوة جبارة، فإن ردود الفعل المضادة لهذه القوة يصعب إخفاؤها فالدول القوية تستطيع أن تتبع سياسات مضللة وخاطئة ومتجبرة ومتعسفة لبعض الوقت ولكنها لا يمكن أبدا أن تواصل تجاهل الحقائق. والمطلوب الآن أمريكيا وعالميا هو مناقشة نفوذ اللوبي مناقشة صريحة وعلانية وجنبا إلى جنب مع ذلك ينبغي مناقشة مصالح أمريكا الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط الحيوية والمهمة. ولا شك أن بقاء إسرائيل واحدة من هذه المصالح الأمريكية ولكن استمرار احتلالها للضفة الغربية والجولان وغيرها مرفوض تماما، ونزعتها التوسعية كذلك لن تؤدي إلا إلى خسائر لها. والمناقشة المفتوحة وحدها هي التي ستفتح الباب لكشف غباء ومحدودية الاستراتيجية الأمريكية القائمة على تبني إسرائيل ومعاداة العرب تحت أي زعم أو دعوى تؤلفها إسرائيل ( الإرهاب – نشر الديمقراطية – حقوق الإنسان-الحريات.. إلخ)، فالمصلحة القومية الأمريكية بعيدة كل البعد عما نسمع عنه في وسائل الإعلام الأمريكية، وهي سهلة وبسيطة وميسورة شريطة احترام مصالح دول المنطقة. وهنا فقط قد تجد إسرائيل لنفسها مكانا في المنطقة.