تقنين أحكام الشريعة.. وشطط الرأي الآخر
<a href="mailto:[email protected]">Fax_2752269@yahoo.com</a>
لا يزال البعض يعتقد أن فتح باب النقاش لمداولة قضايا معينة مثل عمل المرأة أو قيادتها السيارة أو تقنين أحكام الشريعة أمر خطير وشر مستطير لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذه القضايا، على الرغم من أنها تحتمل كثيرا من النقاش والمداولة، ولا سيما تلك التي اختلف فيها أئمة المذاهب أو طلبتهم، فهي ليست من المسلمات في الدين بالضرورة التي ينبغي على الجميع الاعتقاد بها أو تأديتها مثل الصلاة أو الزكاة أو الحج.
إن مثل تلك القضايا الخلافية تتطلب فسح المجال لمناقشتها وتداولها بين أصحاب الفكر والرأي والعلم، خصوصاً إذا كان في ذلك مصالح للمجتمع أو مواكبة للتطورات، فالإسلام في الأصل دين صالح لكل زمان ومكان، وهو دين يسر لا دين عسر والاختلاف بين العلماء في المسائل الفقهية الفرعية رحمة للناس، ولعل في تاريخنا الكثير من الأحداث والعبر التي تدل على التيسير والعمل بالمقاصد.
أقول هذا الكلام بعد ما قرأت المقال الذي كتبه الشيخ عبد المحسن العبيكان في صحيفة "الشرق الأوسط" يوم الخميس الماضي بعنوان "مناقشات لمنتقدي التقنين"، وهو يقصد بذلك تقنين الشريعة الإسلامية، الذي لا يزال بعض الكتاب والمختصين والفقهاء يتجنبون تناوله ومناقشته خوفاً من النقد الجارح الذي يترك صلب الموضوع ليأتي على التشكيك في النيات وربما المعتقدات من قبل فئة ترى أن مناقشة هذا الموضوع خط أحمر، إما لقلة فهم وإدراك لمعنى التقنين وإما لاعتقادهم أن هناك رابطا بين التقنين والتغريب وربما لأسباب أخرى لا أعرفها.
ومما قاله الشيخ العبيكان في تلك المقالة "هناك من بعض أهل العلم من لا يتسع صدره للأخف المشروع، ويأخذ طريقا شططا في الرد، مع أن له سعة في عذر غيره ممن يرى غير قوله، وقد مر عليّ شيء من ذلك في مسألة تقنين الشريعة أو تدوينها، وتضمن كلام بعضهم التعدي علينا، وعلى من قال بقولنا، وحمل نياتنا ما لا تحتمل، ووصل ببعضهم الحال أن جعلنا في الختام وسيلة وأداة للمستعمر الجديد لتنحية شرع الله، وإحلال القانون الوضعي مكانه".
لا شك أن الشيخ العبيكان كان يتألم من بعض الردود التي جاءته بعد رأيه حول تقنين الشريعة، التي تضمنت تعديا عليه وتحميل نياته ما لا تحتمل، وهذا أمر خطير وينبغي ألا نفسح المجال لمثلها، فالفكر لا يدحض إلا بالفكر, خصوصاً في مثل هذه المسألة الخلافية. أما إذا وصل الأمر إلى التشكيك في النيات أو لصق تهم العمالة للمستعمر، فهذا في حد ذاته شطط لا مبرر له، فكان حرياً بالمخالفين لرأي الشيخ أن يبادلوه الحجة بالحجة والرأي بالرأي حتى يصلوا إلى نتيجة تنفع العباد والبلاد.
من جهتي سبق أن كتبت في هذه الصحيفة قبل أكثر من سنة عن هذا الموضوع, وطالبت حينها بتقنين أحكام الشريعة واعتبرت هذا الأمر أهم مشاريع إصلاح النظام القضائي. ومع احترامي الكامل للحجج التي يسوقها معارضو التقنين مثل الخشية من غلق باب الاجتهاد أو تضييقه، إلا أنني مازلت أعتبر هذا الموضوع أولوية قضائية مهمة. ولعل الشيخ العبيكان أوضح ذلك في مقالته عندما قال "فالقضاء لدينا، بفضل الله يطبق أحكام الشريعة، وهي أحكام متعددة، مصادرها كثيرة، ووجهات النظر في كثير من مسائلها متباينة، لما تحتمله نصوصها من المعاني الكثيرة. وكذلك عقول البشر محدودة، وتتفاوت في مدى قدرتها على استنباط الأحكام من تلك النصوص، فتتضارب الأحكام في كثير من الأحيان، فهذا التدوين للأحكام لا شك أنه يسهم في إقامة العدل المنشود في قضايا الخصوم، ويسهل مهمة القاضي، ويريحه من المشقة، وإطالة البحث في الوقت الذي يطلب منه سرعة البت في القضايا المعروضة المتراكمة، والتي تزداد يوما بعد يوم، بل يعالج ما نراه من تضارب في الأحكام".
ونظرا لأهمية هذا الموضوع أدعو وزارة العدل لإقامة منتدى حواري حول الموضوع يُدعى له العلماء والفقهاء والمهتمون من الجانبين من داخل المملكة ومن خارجها، فالحوار هو الطريق الأمثل للتقريب بين أصحاب الرأيين.