هل يشهد عام 2006 نهاية التفرد الأمريكي؟
توقع المراقبون أن يكون عام 2006 الذي انقضى منه ثلاثة أشهر هو عام صعود قوى عظمى وشبه عظمى إلى الساحة الدولية لمشاركة الولايات المتحدة مقعد القيادة. وهناك العديد من الأدلة والمؤشرات على رجاحة هذه الفكرة. فهناك حقائق التسارع الزمني في عصر الثورة الإلكترونية وهيمنة الحاسبات والسماوات المفتوحة وسرعة إيقاع الحياة علميا وتقنيا، بحيث أصبح ما ينجز في عام يفوق ما كان ينجز في عشرة أعوام. أي أن سيطرة الولايات المتحدة الأحادية والتي بدأت منذ 1989 قد اقتربت من نهايتها.
فما أبرز المؤشرات؟
أولا: عودة الإصرار الروسي لفرض الوجود واستعادة هيبة البلاد، بعد ما ظهرت بمظهر متقاعس ومتخاذل لفترة طويلة دون مبرر، وتمثل ذلك في استقبال وفد حماس على عكس رغبة واشنطن.
ثانياً: زيادة شعور الصين بدورها وعزتها الوطنية وخوفها من الحصار والحرمان من النفط مما يدفعها للتقدم لتلعب دوراً رئيساً.
ثالثا: تحدي إيران الواضح لواشنطن، ورفضها تهديدات أمريكا والكيل بمكيالين في المسألة النووية.
رابعاً: تحدي شافيز في فنزويلا، وهي الساحة الخلفية للولايات المتحدة، ومن أهم المصادر النفطية في نصف الكرة الغربي.
ومن المتوقع أن صموده أمام ضغوط البيت الأبيض سيفتح المجال أمام مزيد من التمرد والرفض للولايات المتحدة، والتي تشعر القارة اللاتينية بأنها تمتص خيراتها.
خامساً: الفشل الأمريكي الذريع في العراق، مما دفع كثيرا من القوى الصغرى في العالم إلى التساؤل: لماذا الخوف من هذا النمر الورقي المعتمد على الآخرين؟
سادساً: تضخم فاتورة الديون الأمريكية بحيث أصبح أي حديث عن الرخاء نوعا من الخداع الذي يشبه جنة الأحمق الذي ينفق دون أن يدري أنه يبدّر كل ما لديه. ولن تبقى دول العالم تعطي لكي يزيد الرخاء الأمريكي.
سابعاً: الشعور القوي بالإحباط لدى حلفاء أمريكا في اليابان وتركيا وباكستان التي تخشى وقوع حرب جديدة في مناطق النفط تشعلها أمريكا ويدفع ثمنها الآخرون.
ثامناً: النفاق الذي أبداه بوش أمام الهند بعقد اتفاق نووي معها وهو في ظاهره بادرة تحالف وفي باطنه بادرة ضعف أمام دولة تمقت أمريكا المنحازة أبدا إلى خصمها باكستان.
تاسعا: اقتناع فقراء وضعفاء العالم أن واشنطن لم تحسن التصرف كقائد للعالم، فلا هي أسهمت في حل مشاكل الغذاء أو الأوبئة أو معالجة الفقر أو تعويض من سرقهم الاستعمار والعبودية وانما اقتصر جهدها على تحقيق مصالحها والحصول على المكاسب من نفط وموارد ومواقع استراتيجية، وحماية ربيبتها إسرائيل. ولم تساعد المحتاجين الحقيقيين (مجاعة الصومال) وحوّلت الأمم المتحدة وكالاتها المتخصصة والصندوق والبنك الدوليين إلى أدوات ضغط وتركيع وتجويع وفرض السياسات التي تصب في مصلحتها الاقتصادية والاستراتيجية. الأمر الذي أوصل هؤلاء جميعا إلى حالة من اليأس الذي يتبعه الرفض والكراهية. وقد تعززت الصورة الأمريكية القبيحة عند كشف النقاب عن سجلها القمعي والتعذيب الوحشي في السجون، فسقطت ورقة التوت وظهر زيف الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية.
فعلى امتداد الأعوام الخمسة الماضية تركز الاهتمام العالمي على حرب أدارتها – وما زالت – الولايات المتحدة ضد ما سمته الإرهاب الإسلامي وهي حرب ضد حفنة من الرجال يضمهم تنظيم القاعدة ضد أكبر قوة في العالم. وهذه الحرب تؤكد ما تتمتع به واشنطن من نظرة أنانية ضيقة، لأنها حولت السياسة والعلاقات الدولية إلى مجرد خدمة لهذه الحرب، وبينما هي تحاول القضاء على حلفائها السابقين من تنظيم القاعدة ورفقاء الميدان ضد الروس، قضت أيضا على حليف سابق هو صدام حسين استخدمته في حرب إيران الأمر الذي أدخلها نفقا مظلما أمام الجميع – فلا وفاء ولا ولاء ولا تحقيق للشعارات، وإنما حروب وضغوط سئمها الجميع. وهناك شعور يسري يوما بعد يوم أن عصر سكوت الضعفاء قد ولى وأن واشنطن أضعف بكثير مما تحاول إبرازه وهي لا تتحمل حروبا مطولة ومن ثم فهي هشة يمكن استنزافها.
تلك القوى المضادة لم تفكر من قبل في تحدي الولايات المتحدة ولكنها تراقب وتستعد للتغيير الآن. ويذكر لنا التاريخ أن الحركة الفابية الاشتراكية ظهرت في أعقاب تعسف الرأسمالية، كما أن ظهور النقابات جاء كرد فعل لظلم أصحاب الأعمال، بل إن الأحزاب كأطر لممارسة السياسة نشأت كرد فعل لطغيان الكنيسة وتحالفها مع الإقطاع. بل إن الماركسية ظهرت كرد فعل لبطش القوى الاستعمارية، بعدما مكّن لها الاستعمار الهيمنة على الثروة. وحان موعد ظهور رد الفعل المضاد، وقد يعني هذا ردود فعل وتحولات شديدة، فالروس سوف يعيدون النظر في أسلوب جديد يمكنهم من العودة إلى المجال الحيوي للاتحاد السوفياتي السابق في أوكرانيا وجمهوريات البلطيق وجمهوريات آسيا الوسطى. وقد صدمت موسكو عندما شاهدت كيف تلاعبت واشنطن بأوكرانيا لتنصب الرئيس الموالي لها. وقد تكررت القصة من قبل في جورجيا وأرمينيا. ويؤكد المراقبون أن روسيا تعمل جاهدة على دعم قدراتها العسكرية، حتى لا يحدث السيناريو المرعب بدخول واشنطن إلى دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، خاصة أن احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان فتح المجال أمامها لاختراق جمهوريات آسيا الوسطى مع سحب عدد من دول البلطيق إلى حلف شمال الأطلنطي.
معنى ذلك أن عام 2006 سيشهد بداية تصاعد التحدي، أما الصين فليزمها تتويج صعودها الاقتصادي ونسبة نموها التي بلغت 9 في المائة إلى حقائق قوة استراتيجية، كما يلزمها الدخول بقوى أخرى في ساحة حرب امتيازات النفط لتضمن تدفقه إلى بلادها حيث النهضة شاملة ومتسارعة. وهي لا شك تراقب التحرك الأمريكي وراء آبار النفط في بحر قزوين والخليج ودارفور والنيجر وتشاد لكي تحتكره، فتحرم منه أعداءها وتحكم سيطرتها على حلفائها (خاصة اليابان وألمانيا). وعلى الصين أن تتنبه لورقة واشنطن الخالدة التي تشهرها في وجه خصومها وهي "ورقة حقوق الإنسان" (وإن كان مفعولها قد تهاوى بعد ثبوت انتهاكات الأمريكيين لتلك الحقوق). ولدى الصين ورقة كوريا الشمالية التي تعتبرها الصين حليفا استراتيجيا.
ونصل إلى دور إيران التي تعتبر الوضع في العراق صداعا مزعجا، ولا يختلف اثنان على قوة النفوذ الإيراني في العراق من خلال كثافة الوجود العرقي الشيعي. ورغم حرص واشنطن على إبعاد إيران عن اختراق العراق، إلا أن ضربها صدام حسين وتحطيمها قوتي السنة والبعث، فتحا الباب أمام إيران لتلعب دورا أقوى وأهم. وتدرك إيران أن إسرائيل المدعومة تماما بواشنطن هي صاحبة المطلب الأول في ضرب القوة النووية الإيرانية – التي لا تمثل شيئاً لواشنطن وهي عملية ليست بسهولة ضرب المفاعل العراقي. والبديل المطروح أمام إسرائيل هو ضرب المفاعلات بالقنابل الذرية التكتيكية وهي موجودة لدى إسرائيل. غير أن ذلك سيفتح شلالات الانتقام والكراهية ضد أمريكا وقد تفكر أمريكا في تنفيذ المهمة بنفسها فتنذر بتوقف إمدادات النفط واشتعال المنطقة من إيران إلى فلسطين مرورا بالعراق وسورية ولبنان. ومحنة البيت الأبيض الخانع دوما لإسرائيل أنه لا يستطيع التراجع أمام الإيرانيين لأن من ثوابت السياسة الإسرائيلية القضاء على القوة النووية الإيرانية قبل نضجها وإيران تعلم ذلك ولكنها تراهن على ثلاثة أمور:
1- أن تخطئ المخابرات الإسرائيلية - الأمريكية المشتركة فهم حقيقة التطورات النووية في إيران، حتى تصل إلى حد الكمال.
2- أن تقوم إسرائيل بالهجوم، وهنا تبرز إيران نفسها باعتبارها القائد الفعلي للأمة الإسلامية التي يستهدفها العدوان الصهيوني.
3- الوصول إلى خط البداية في الإنتاج النووي دون عبوره إلى مناطق تالية. وهذا هو الخيار الأقرب للتنفيذ.