دولة بحجم المملكة ومكانتها بدون نقل عام!! هذه نقيصة
ما سوف أتحدث عنه اليوم، وهو موضوع النقل العام، وتعريفه، كما أفهمه، (توافر وسائل نقل جماعي آمنة ومنتظمة داخل المدن تغطي وتربط الأواسط بالأطراف، تطوف كل الشوارع ونقاط تجمع الركاب، في منظومة شبكية منضبطة التوقيت والتنظيم)، لم يتحدث عنه سوى القليل من الكتاب، ولم يتناوله سوى القلة من المهتمين بالشأن العام في الوطن، حتى من يفترض أن يهمهم الأمر، أو قل من يجب أن يهتموا به من المسؤولين الحكوميين، لم ينظروا إليه كجزء من مسؤولياتهم أمام الله والناس، مكتفين بسبر المشكلة تتضخم ككرة الثلج حين دحرجتها من أعلى قمة جبل الجليد، وكأنهم ينتظرون المعجزة تأتي مع يوم قائظ يذيب حره الكرة، متجاهلين أنها إن ذابت فسيغرق ماؤها كلما يصادفه!!، أما المكتوون بالمشكلة ومن يكابدونها على مدار الليل والنهار، من المواطنين والمقيمين، فليقاسوا العذاب جزاء سكنهم بعيدا عن مقرات أعمالهم وقضاء حاجاتهم، وعدم امتلاكهم سيارات كغيرهم!!
أريد تحضير أذهانكم، أيها القراء الكرام، ورؤاكم، وإن حصل ضمائركم، إلى المشكلة، وأريدكم أن تتخيلوا كيف ينتقل من لا يملك سيارة خاصة، في مدن المملكة كافة، من مقر سكنه إلى حيث يريد؟ سواء كان مقيما في وسط المدينة أو طرفها، وما وسيلة النقل المتوافرة الرخيصة أمامه؟! هل هناك غير ما نسميه الليموزين تجاوزا، وهو أبعد ما يكون عن هذه الصفة، أو لنقل التاكسي وإذا أراد ركوب التاكسي مضطرا، كيف يحصل عليه؟ هل باستطاعته إحضاره من خلال مكالمة هاتفية؟ أو أنه سيجده أمامه في موقف مخصص في كل حي كما هو الحال في كل بلاد الدنيا؟!.. أم أن عليه أن يمشي مسافة طويلة إلى أقرب طريق عام، وينتظر وقتا قد يطول لمرور سيارة أجرة، ليدخل في تفاوض مع السائق حول المكان الذي يرغب الذهاب إليه، والأجرة التي يدفعها؟ وربما يعيد الكرة مع آخر أو اثنين غيره، ليذعن في الأخير إلى طلب السائق. الذي غالبا ما يكون من المقيمين، لأننا الوحيدون الذين يستقدمون سائقي التاكسي، ثم يدفع له مكرها الأجرة التي يطلبها، بالمقطوعية، وكأن العداد المركب في السيارة يمثل جزءا من الهدر الاقتصادي الذي نعيشه، ليبقى شبحا في السيارة، يدفع ثمنه الراكب في صورة أجرة مبالغ فيها، بعد تفاوض حولها مع السائق يشعرك بالحرج، وببعض مظاهر التخلف الذهني الذي استوردناه بإرادتنا، وأثّر على تعاملنا وقيمنا ولغتنا!!
أما حالة السيارة والوضع داخلها فلن أتحدث عنه، لأنكم لن تصدقوا ما أذكره إلا من تضطره الظروف إلى استخدامها، مكتفيا بذكر تجربة واحدة لي، ومعرضا عن ذكر ما يتداوله المجتمع، وبخاصة السيدات العاملات اللاتي يلجأن أكثر من غيرهن إلى استخدام هذه الوسيلة، ففي مرة احتجت إلى سيارة أجرة من المطار (مطار الملك خالد) إلى منزلي، وكان علي أن أقف في الشارع لانتظار مرورها، لأنني لم أجد أمام بوابات المطار سيارات أجرة في صفوف منتظمة كما هو الحال في كل دول العالم، وبعد السؤال عن الأجرة والإذعان لما طلب السائق، أومأت له، لأنه لا يفهم لغتي، ولا أفهم لغته، أن معي حقيبة أريد وضعها في السيارة، فرد علي بإيماءة فهمت منها أن علي أن أفتح صندوق السيارة الخلفي وأضعها فيه، وطبعا امتثلت، لأن الأخ بدا وكأنه محصور بين المقعد والمقود الفائض جزء منه في كرشه البارز بوضوح!!
وأما داخل السيارة فقد بدا فوضويا متسخا، يعبر بصدق عن مظهر سائقها الذي حاول إخفاءه بتلك الرائحة الغريبة المفضلة لدى بعض إخواننا من فئة معروفة والتي تفوح من شعر الرأس المنسدل اللامع، أو من الملابس الوطنية التقليدية لفئة السائق، والتي يبدو أنها لم تر الماء مدة طويلة!!، بيد أني تجاهلت هذا كله، بل أنستنيه السرعة الهائلة التي يقطع بها المشوار، ومع ذلك لم أدخل معه في أي جدل حول أي شيء مما شاهدت، ربما احتراما لنفسي، أو لشعوري بالضعف والغربة والانكسار أمامه!!، فقط تساءلت داخليا، مخافة أن يلحظ شيئا، أين ما نسمع عنه من تنظيم لهذه الخدمة، من مراقبة السرعة، إلى الإلزام بتشغيل العداد، إلى ارتداء الملابس المقننة، ونظافة السيارة وآداب التعامل مع الراكب؟! ولو تجاهلت هذا كله فلن أتجاهل الموقف المضحك، بالله عليكم هل صادفتم سائق تاكسي، عبر العالم كله، لا يقوم بوضع حقيبة الراكب في السيارة؟! حتى الدول الإسكندنافية، يقوم السائق فيها، وهو من جنسيتها، وهي من أغنى وأرقى دول العالم بحمل أمتعة الراكب إلى السيارة، وإنزالها منها، ومعها ابتسامة عريضة، حتى لو كان هذا الراكب آتيا من مجاهل إفريقيا!!، إلا نحن نبتلى بمن يجهل كتابة اسمه، ومع ذلك يتعجرف ولا يبرح مقعد القيادة، اللهم لا تكلنا إلى غيرنا!!
هل رأيتم أي تطور على سيارات الأجرة وسائقيها منذ وجدت هذه الخدمة بوصفها المسمى ليموزين؟ سواء من حيث السلوك أو المظهر أو التنظيم؟ المظهر هو هو، سيارات من أرخص الأنواع، وسائقون أجانب جهلة، يجوبون شوارع المدن بالآلاف، وعيونهم على الراكب وليس على الطريق، فعليك أنت كقائد سيارة خاصة أن تعاني، وتعطي جل انتباهك أثناء القيادة لهم، يتخاطفون من حولك يمنة ويسرة، ضاربين بقواعد المرور وأنظمته، وحياة الناس عرض الحائط، لتفاجأ أن واحدا منهم ينعطف أمامك في خطورة متناهية لمجرد أنه رأى شخصا يمشي أو واقفا على الرصيف! هل يعقل أن يترك ما يربو على 15 ألف سيارة تتسابق في الشوارع طوال النهار ومعظم الليلة مسببة الإرباك والإعاقة للحركة المرورية والإزعاج والخطورة للآخرين! أين أجهزة المرور عن هذه المشاهد؟ وهي تعلم باليقين ما تسببه هذه المعركة المشتعلة للناس من أذى؟ هل أعيتهم الحيلة ويئسوا من العثور على حل، وهم أصحاب الحل؟ أم ألِفوا المشهد، ولم يعد يعنيهم لانشغالهم بما هو أكبر؟
بالمناسبة، أتذكر أنه كانت هناك قرارات في بداية انطلاقة هذه الخدمة، تقصير بإسهام أصحاب السيارات في دفع مبالغ لإعداد مواقف مخصصة في كل حي، ليجد الناس السيارات أمامهم، ولا يسمح لها بالتجول، هل اندثرت هذه القرارات وطواها النسيان كما طوى غيرها من القرارات التنظيمية التي نتحمس لإصدارها ونعجز عن إنفاذها!
ليت لي من الأمر شيئا، عندما قررت وزارة العمل توطين (سعودة) سائقي هذه الخدمة، وحددت لذلك موعدا بعد أن منحت مهلة لأصحابها لتكييف أوضاعهم مع القرار، ثم وجدت نفسها عاجزة عن تنفيذه، ومضطرة إلى التراجع عنه عندما ثار أصحاب السيارات، متغلفين بالعاطفة، متحججين أن استثمارات بمئات الملايين ستتبخر نتيجة لوضع سائق سعودي بدلا من الأجنبيَ، تصوروا بسبب هذا ستتبخر مئات الملايين! بينما الواقع الذي سيتبخر، لو طبق القرار، هو ما يجري في هذا القطاع من عبث وتلاعب، والتفاف على الأنظمة والتعليمات وإعراض عنها، لأن السائق السعودي لن يجاري صاحب المنشأة التي تملك السيارة في الالتزام بدفع مبلغ يومي محدد يضمن للمالك تسديد قسط السيارة الشهري، وفائضا يضعه في جيبه، ولن يلتزم السعودي أيضا بتحميل كل ما يلزم السيارة من محروقات وصيانة وقطع غيار، كل هذا على أمل فائض يأخذه كدخل له ربما لا يبلغ ألف ريال شهريا، نعم لن يقبل هذا السائق المواطن، لأنه لا يستطيع أن يعمل على السيارة 18 ساعة يوميا، ولأنه يرى في هذا الأسلوب كل الغُبن والغرر والاستغلال، ناهيك عن الملحظ الديني، ولأنه يسكن في منزل مستأجر، ولديه عائلة، وربما يعول أباه وأمه، بخلاف السائق الأجنبي الذي ربما يكون خامس أو سادس شخص تأويهم غرفة واحدة، أو تأويهم السيارة إن لم يجدوا مسكنا!
من هنا تأتي مقاومة توطين سائقي سيارات الأجرة، وليس لأي سبب آخر، وما دام الأمر مرتهنا بالعاطفة، والشكوى والصراخ، بعيدا عن تغليب المصلحة العليا للوطن والمواطن، فسوف يستمر الوضع، وتمتد المعاناة إلى ما شاء الله! أما السائق السعودي فسيظل محاربا بحجج لا تحصى من قبيل ما ذكرت، رغم أنه ثبت بشهادة العقلاء ممن يستخدم هذه الخدمة، أنه أفضل سلوكا ومظهرا وحياء، ومخافة من الله، وحرصا على أرواح الناس وأعراضهم ممن ابتلينا بهم، وبممارسات بعضهم المنافية لقيمنا وتقاليدنا خلقا وأخلاقا مما تشهد به المضابط الرسمية!
أمر آخر يحيط بهذه الخدمة، ويعوق استفادة الراغبين فيها على علاتها، وهو عدم توفير وسيلة النداء عليها هاتفيا لعدة أسباب، أولها عدم السماح لها باستخدام أجهزة النداء اللاسلكي، التي كنا نسمع عن قرب الترخيص بها قبل 20 سنة، ليس لهذه الخدمة فقط، بل لمن يحتاج إليها بالضرورة في بقية قطاعات النقل، ثم لم نعد نسمع عنها شيئا، مما يوحي بقطع الأمل في توفيرها في عصر الاكتشاف والانكشاف والعولمة، رغم توافر تقنيات وضمانات تحول دون تداخلها أو دخولها على غيرها من الوسائل المشابهة، أو إساءة استخدامها، وثاني الأسباب هو أن عناوين المنازل غير واضحة وبخاصة أن أطراف المدن مغيبة عما يسمى بمشاريع التسمية والترقيم لدى البلديات والأمانات، وحتى ولو توافرت فلا أحد يستخدمها أو يستدل بها كما هو حاصل، وتبقى الوسيلة الوحيدة هي ما تعارف عليه الناس من العلامات في شوارعنا مثل البنشر والفوال والصيدلية ومحطة البنزين، يصفون بها الطريق إلى بيوتهم إلى جانب رسم المخطط (الكروكي) وتوزيعه.
ماذا سيقول عنا الزوار من الأجانب ورجال الأعمال، وحتى القادمين للخدمة لأول مرة، وقد رسموا في أذهانهم صورة مثالية لما يسمعون أن المملكة وصلت إليه من التنظيم والسلوك ونقاء المجتمع، والالتزام بآداب المعايشة، رابطين بين ذلك وبين كون المملكة مهبط الوحي، ومقر الحرمين، وأكثر دول العالم تطبيقا للشريعة والسلوك الإسلامي! ما هو الانطباع الذي سيقفز إلى أذهانهم، ويبخر الصورة الجميلة التي يحملونها عندما يتخاطفهم سائقو سيارات الأجرة، وحتى الخاصة، قبل خروجهم من بوابة المطار، أو عندما يدلفون إلى أول سيارة أجرة يلاقونها، ويطلب منهم سائقها، من مكانه، وضع أمتعتهم داخل صندوق السيارة؟ أليس الأمر مخجلا عندما نتأمله؟! ماذا أقول بعد؟! معذرة فقد انتهت المساحة المخصصة لمقالي دون أن أكمل حديث الهموم، البعيد عن الشجون، عن عنصر واحد هو سيارات الأجرة، وأملي أن أكون أقل تشاؤما عند الحديث عن بقية العناصر. والله من وراء القصد.