سوق الأسهم .. وهل يعالج الفقر كجزء من نظام اقتصادي متكامل؟

الارتفاع الكبير والمفاجئ في سوق الأسهم هل سيغير من قائمة شريحة الفقراء فتخرج أسماء وتدخل شخصيات جديدة أو دخيلة على عالم الفقر؟ أم أن الفقير سيبقى دائماً فقيراً بالرغم مما أتيح له من فرصة في سوق الأسهم. وبذلك تصبح النظرية الاجتماعية بأننا مهما حاولنا معالجة الفقر فإن كل مجتمع لابد أن تبقى فيه شريحة من الفقراء. وأننا مهما وفرنا من الفرص لهؤلاء الفقراء فإنهم سيبقون فقراء. ولكن الذي يدعو إلى الإحباط هو أننا نعيش في دولة تكبر فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فإما شريحة الثراء الفاحش أو الفقر المدقع بينما تتلاشى الطبقة الوسطى. وهي تعتبر ظاهرة غير صحية للمجتمع سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. فكما عانت مصر قبلنا من القطط السمان فإننا قد سنعاني من الهوامير السمان. فبعد سوق الأسهم سيأتي سوق العقار وسيستمر حتى تصحو بيروقراطية الجهات الحكومية وتستيقظ من نومها ليأتي دور التجارة والصناعة. ولكنها كلها ستستمر في تغذية الهوامير السمان حيث إنهم الوحيدون وقتها الذين لديهم رأس المال للمتاجرة. فهل نستفيد من تجارب الدول التي سبقتنا في إيجاد ميكانيكية للتوزيع المتساوي للدخل بين شرائح المجتمع. وعالمياَ توجد ميكانيكية الضرائب والتي تؤخذ بنسبة أكبر من الأغنياء وتقل النسبة للأقل دخلاَ (Progressive). وهي تقابل الزكاة والرسوم التي تجنيها الدولة ولكن طريقة توزيعها على شرائح المجتمع ما زالت بدائية وغير موفقة. وقد يكون الحل لمعالجة الشريحة الفقيرة على الأقل هو في دعم صندوق معالجة الفقر عن طريق اقتطاع جزء من العمولات التي تجنيها البنوك والمحافظ الاستثمارية ومؤسسة النقد وبحيث تذهب إلى الصندوق وأن تكون نواة لبرنامج يتولاه الصندوق ويوجه إلى تطوير ومساندة الفقراء للدخول في الأعمال التجارية والصناعية الصغيرة. ولا ننسى في هذا المجال محاولات جادة من بعض رجال الخير مثل فكرة د. عبد الرحمن الزامل عضو مجلس الشورى في طلب اقتطاع بعض الأسهم من رجال الأعمال لمساعدة الأسر الفقيرة. ولكنها مشروعات فردية أولى أن تقوم الدولة بها.
وقد يكون هذا المطلب نواة أو بداية لطرح موضوع النظام الاقتصادي المتكامل سواء لتنظيم سوق الأسهم أم للأنشطة الاقتصادية الأخرى مثل الاستثمار العقاري أو المالي أو التجاري وبحيث يتم تخصيص نسبة ضئيلة من العمولات لتتوزع على شرائح المجتمع الفقيرة وبطريقة مدروسة ومقننة لتطويرهم وتدريبهم على طرق كسب العيش. لابد أن هناك ميكانيكيات ونماذج حاسوبية إحصائية أخرى للسيطرة على تلك المضاربات. وهل سمعنا عن محاكمة أو مساءلة مجالس إدارة بعض الشركات المساهمة التي تتاجر بالمعلومات والإشاعات. وما هي مصداقية مكاتب المحاسبة ومراكز مالية التي تزور وتبصم ميزانيات بما تريده الشركات. وما هي مسخرة الشيكات بدون رصيد التي يسجن عليها دولياَ إلا في بلد الإسلام. هل تم معاقبة أحدهم ليعتبر الجميع. أسئلة تمثل غيضا من فيض وتشكك في قدرتنا وتهيؤنا للتحول من اقتصاد شبه مركزي بعد أن كانت الدولة هي الممول له إلى اقتصاد حر يلعب فيه القطاع الخاص الدور الأكبر.
وقد يكون الخلل هو أن نعتقد أن الحل لدى الاقتصاديين فقط وعصاهم السحرية للسياسة النقدية والمالية. بينما هو بعيد عنهم ومفتاحه مرهون بدور علماء الاجتماع والسياسة فنحن ننسى أو نتجاهل أن أي هيئة أو قرار أو سياسة اقتصادية لا يمكن تطبيقها في ضوء عدم وجود نظام سياسي واجتماعي وقانوني تشريعي متكامل ومترابط ( العمود الفقري للدولة ودستورها الشرعي تحت مظلة نظام الحكم) والذي يستمد من القرآن ولكن يتم تدوينه في دستور منفصل حتى ينزه القرآن من العبث في جلسات المحاكم وبين الخصوم. ويكون له مؤشرات اجتماعية وسياسية واقتصادية. يمكننا من قراءة الاقتصاد الوطني والقدرة على فهم التغيرات التي تؤثر فيه. و يوفر له الحماية القانونية الصارمة على القوي والضعيف وبشفافية واضحة. فما فائدة الأنظمة بدون وجود من يرعاها من الإهانة ويضمن لها هيبتها والتي هي من هيبة الدولة وصرامتها. والذي بدورة يعزز ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب للاستثمار في هذا البلد. وإيجاد مثل هذا النظام ليس من اختصاص الاقتصاديين فقط بل من صميم اختصاص المخططين السياسيين والاجتماعين. وهو عادة يكون مربوطا بأحد الأنظمة المتكاملة مثل نظام الضرائب الذي يمكن صياغته بطريقة إسلامية مشتقة من نظام الزكاة والوقف والتبرعات والرسوم. والذي يعتمد على قواعد المعلومات ويشكل أهم الأنظمة العالمية التي توفر معظم المعلومات عن المواطن والشركات والدخل العام ومنها تشتق جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمد على سلوكيات المستهلك ومعدل البطالة وثقة المستهلك في الاقتصاد ومعدلات الإنتاج القومي وغيرها.
وهذا الترابط مهم في محاولة توجيه الاقتصاد العام لتوزيع الثروات على شريحة أكبر من المجتمع ويعالج تلقائياَ مشكلة الفقر. ويخضع لمعايير وضوابط دولية ومراقبة داخلية. ويتطلب مراجعة شاملة للأنظمة والقوانين وبناء قاعدة صلبة من تقنية المعلومات، لتعطي الدولة فرصة للتدخل وتوجيه دفة جميع الأنظمة. فالمعروف دولياَ أن معدلات سوق العقار ترتبط بسعر الفائدة في البنوك. وهذه المؤشرات نفتقدها ولا أعتقد أن اقتصادنا سينجح بدونها إلا بمحض الصدفة ووجود الثروة النفطية والتي هي المؤشر الوحيد لدينا. وهذا خطأ اقتصادي واضح يجب معالجته ومحاولة ربطه بتأثير المؤشرات الأخرى لمعرفة مدى تأثيراتها الاجتماعية والسياسية على المدى الطويل. فقد انتهى عهد الحلول الوقتية أو ردود الفعلية لكل حدث والتي تعالج المشكلة في وقتها بدون معرفة تبعاتها المستقبلية وما يخلفه الحل أحيانا من سلبيات أكثر كلفة على المجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي