إساءات "ستار أكاديمي"

في خضم حدة ردود الأفعال العربية والإسلامية وبخاصة الجماهيرية دفاعا عن مكانة رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام، بعد أن تعرضته بالسوء تلك الرسوم لرسام الكاريكاتير، شل الله يده، في تلك الجريدة الدنماركية، ووسط الحمية الإيمانية التي أضاءت روحنا الإسلامية بعد أن ظنوا أنها وهنت ولم تعد قادرة حتى على الدفاع عن سيدنا ورمزنا وحبيبنا رسول الله حين يعرض به بتلك الصورة العنصرية الساقطة، في ظل انعكاسات هذا الحدث الجلل الذي زلزل مشاعر كل مسلم، تفاجئنا محطة مرئية في هذا الوقت المتأزم ببث حي ومباشر لحفل تنصيب من سمّوه بنجم ستار أكاديمي العرب الجديد (!!)، وستار أكاديمي لمن لا يعرف، وعدم المعرفة ليست خسارة هنا، من المتخلفين عن ركب حياة الصخب والضجيج والأكشن، وحتى لا يخدعهم الاسم فهو ليس فعلا كلية علمية تخرج لنا مبدعين في الطب أو الهندسة أو الاقتصاد أو الأدب، ولكنه برنامج تلفزيوني مهمته تصنيع "نجوم" معلبة في الغناء والرقص، مقوماتها خفة الدم وسرعة البديهة في التنكيت والقفشات الممجوجة وإبراز المواهب في غرابة المظهر والشكل وامتلاك قدرة الخروج على قيمنا الاجتماعية العربية والإسلامية، وفكرة هذا المسخ التلفزيوني تدل على أهدافه الخفية والمعلنة، وهي فكرة مستمدة من اسم خادع وهو تلفزيون الواقع، حيث يتم حشر شبان وشابات في مكان واحد مقفل عليهم لأسابيع ومتابعتهم عبر كاميرات لرصد تصرفاتهم وانفعالاتهم وظرافتهم لكي يتم بعد ذلك التصويت على من يطلقون عليه نجم ستار أكاديمي العرب الخارق، والهدف الخفي من فكرة هذا البرنامج هو تشجيع الشباب على التجرؤ على كسر كل القيم والأخلاق من خلال السعي لإطلاق "الحرية" للنزوات والغرائز بدعوى "تحريرها" من الضوابط والقيود الدينية والأخلاقية وتحطيم تابو العيب الذي يرون فيه عائقا لانطلاق حياة الشباب على قاعدة "تيكت إيزي" أي خذها ببساطة وبلاش عقد..!!
لو تجاوزنا، على سبيل الافتراض، مضمون هذا البرنامج السلبي فلا يمكن التجاوز عن توقيت تنصيب نجمهم الجديد وبتلك الصورة المستفزة لكل مشاعر الناس مقارنة بالوقت الذي فيه الجميع مشغولون ومنشغلون بقضية الإساءة وتبعاتها، فالحفل جاء وكأنه متعمد أن يقام في هذه اللحظة من أجل إلهاء الشباب وصرفهم عن المشاركة في الانشغال والاهتمام بقضية الأمة الإسلامية كلها، هذا إن أسأنا الظن، أما إن أحسناه فهو يؤكد أن القائمين عليه والمشاركين فيه غائبون فعلا عن هموم الأمة وغارقون في أجواء بعيدة عنها، والشيء المؤسف حقا أن النجم الجديد لهذا الستار أكاديمي كان شابا سعوديا من أرض الحرمين الشريفين، وفوز سعودي للمرة الثانية ملاحظة لا ينبغي أن تكون عابرة، فلا نظن أن شبابنا بتنشئتهم الدينية والأسرية ونمط التربية والمحتوى الثقافي للشاب السعودي، يتوافق مع متطلبات نجومية مثل هذا البرنامج والتي هي متوافرة لمن تعود على نمط حياة منفتح، فهل الأمر مقصود..؟ بمعنى هل القائمون على هذا البرنامج والذين لا نبرّئ مقاصدهم، يركزون على الشباب السعودي وتسهيل فوزهم بالنجومية لإيجاد ثغرة يمررون منها هذا الإسفاف إلى مجتمعنا وجذب شبابنا خارج أطر قيمه وأخلاقياته..؟
على الجانب الآخر، ما أثار الاستغراب فعلا أن بعض صحفنا تابعت وطيس منافسة نجمنا السعودي المغوار حتى زفت لنا خبر انتصاره الباهر وكأن لسان حالها يقول: ابتهجوا أيها السعوديون بهذا الإنجاز التاريخي الذي سيرفع رأسنا عاليا بين العرب والعجم، فالاهتمام الذي أعطته هذه الصحف لانتصاره الوهمي السخيف، إلى درجة أن بعضها وضع الخبر في صدر صفحتها الأولى، يثير الحيرة، فهذا الشاب السعودي، الذي فعلا أسفت لحاله، لم يحقق إنجازا علميا ولا حتى رياضيا حتى يحتفى به على الصفحات الأولى..!! فكل إنجازه أنه برع في المسخرة ولا شيء غيرها.
طبعا هناك من سيرى فيما قلته نكوصا للماضي وعودة إلى الفكر الرجعي المعادي للتطور والتحديث، وإذا كان هذا هو التطور والتحديث فنحن في غنى عنه، فما أراه أمامي هو مخطط لتسطيح وعي شبابنا وإراقهم في إشباع الغرائز وتعويدهم على حياة الصخب وإشغالهم بنجومية فارغة من أي مضمون له قيمة، ابتداء من مثل هذه البرامج المتلفزة وانتهاء بقنوات الفيديو كليب والغناء الباهت والرقص الماجن، وهذا البرنامج المسمى ستار أكاديمي أوضح مثال على ذلك، فكلما شاهدت مشاهد من خلال الشاشة الفضية أو ما تنشره الصحف لصور أولئك الشباب وهم يبتذلون أنفسهم بمحاولة عرضها وكأنها بضاعة للتسويق، أشعر بالأسى والحزن على ابتذال هؤلاء الشباب لشبابهم وشخصيتهم لكي يفوز واحد منهم وفق مقاييس تمتهن كرامته، فعندما يتحول الإنسان إلى مجرد دمية للعرض والفرجة والتسلية، فإنه يفقد قيمته كإنسان ويتحول إلى مانيكان فقط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي