Author

العائد على الاستثمار الرياضي وخصخصة الأندية

|
تحولت الرياضة في العالم من فن يمارسه الهواة وتستمتع بها الشعوب إلى صناعة تقوم على أسس علمية متخصصة في علوم الرياضة والسياسة والاقتصاد والإعلام، تدر مئات المليارات من الدولارات. أصبحت الرياضة تمثل قوة دفع لبعض اقتصاديات الدول الفقيرة، كما أنها في الوقت نفسه تستخدم كأداة فعالة للاستقرار وحماية النشء من الانحرافات الخطرة. تحولت الفرق والأندية الرياضية في العالم إلى شركات تجارية ضخمة يُساهم الجميع في قوامها الاقتصادي. العائد المالي الكبير على الأنشطة الرياضية هو الذي قاد العالم الغربي نحو التحول لاقتصاديات الرياضة. ما الذي يجعل الدول الغربية تدخل في تنافس محموم من أجل الفوز بتنظيم كأس العالم وتستثمر بسخاء مليارات الدولارات من أجل بناء الملاعب وتجهيز الفنادق والبنية التحتية التي تضمن نجاح الاستضافة؟ هل هو حب البروز الإعلامي، أم حب كرة القدم الذي تغلغل في النفوس؟. إنه الاستثمار الرياضي الذي أصبح يحقق للدول المستضيفة ثروات طائلة ونجاحات كبيرة على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. أين نحن من هذه الصناعة الرياضية؟. سنوات طويلة وأنديتنا الرياضية تشتكي من شح الموارد المالية ما جعلها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه اللاعبين والمدربين على حد سواء، في وقت بلغت فيه الرياضة العالمية أوجها من حيث التخصص والكفاءة والدخل الخرافي. أصبحت بعض الأندية الرياضية لدينا مثقلة بالديون، خصوصا تلك التي لا تحظى بدعم مباشر من أعضاء الشرف الموسرين. أنظمة احتراف اللاعبين التي طبقت قبل أكثر من 13 عاما زادت من حجم المشكلة وحملت الأندية مصروفات إضافية لا يمكن الوفاء بها دون دعم خارجي. الواقع أن نظام الاحتراف الداخلي طبق على أندية رياضية غير محترفة، لا تستطيع مواجهة مصاريفها المتشعبة بمواردها الذاتية. هذا الوضع غير الصحي خلق فجوة كبيرة بين إيرادات الأندية المحدودة جدا، وبين المصروفات الضخمة التي تقدر بعشرات الملايين للموسم الواحد. بعض الأندية استطاعت أن تقضي على تلك المعضلة من خلال بيع عقود اللاعبين، كنادي القادسية الذي استطاع أن يسوق لاعبه الدولي ياسر القحطاني بصفقة قياسية تقارب من 27 مليون ريال سعودي. وبفكر استثماري محترف قررت إدارة النادي أن تستثمر تلك الأموال في سوق الأسهم السعودية من خلال صناديق البنوك الاستثمارية، حيث أوردت صحيفة "الاقتصادية" خبرا عن "عزم نادي القادسية الرياضي إبرام عقد استثماري مع بنك البلاد للاستثمار في صندوق الأسهم المحلية الذي طرح أخيرا" وأشارت المصادر التي نقلت عنها الصحيفة إلى أن المبلغ المزمع استثماره يبلغ 11.5 مليون ريال" لافتا إلى أن المبلغ يمثل جزءا من انتقال المهاجم الدولي ياسر القحطاني إلى نادي الهلال". هذه الصفقة الضخمة، إضافة إلى استثمار جزء منها في سوق الأسهم فتحا الباب على مصراعيه لكل من يسعى لتطوير وضعية الأندية الرياضية والانتقال بها من خانة الهواة إلى موقع الاحتراف الرياضي والإداري والاستثماري من خلال تحويل أندية الدرجة الأولى إلى شركات مساهمة تطرح مستقبلا في سوق الأسهم السعودية. هناك شركات مساهمة سعودية تزيد رساميلها على مئات الملايين من الريالات لكنها لا تستطيع تحقيق مليون واحد كأرباح سنوية، بل إن بعضها تعاني من خسائر متراكمة أدت إلى تآكل جزء كبير من رساميلها النظامية. أي المنشآت أحق أن تدرج في سوق الأسهم؟، منشآت رياضية تحقق عوائد مالية ضخمة من صفقات بيع عقود اللاعبين ومن خلال استثمار عوائد تلك الصفقات في أسواق الأسهم بعقلية احترافية، أم منشآت صناعية وخدمية تفشل في استثمار أموال مساهميها وتحقيق تطلعاتهم ما عرضها لخسائر متراكمة. نادي القادسية الرياضي مثال واقعي لمقدرة أنديتنا الرياضية على التعايش مع اقتصاديات الرياضة والنمو باستقلال تام عن وصاية الآخرين. بل إنه يرد بقوة على كل من يشكك في مقدرة الأندية الرياضية على تسيير أمورها بطريقة احترافية إذا ما هيأت الظروف المناسبة لها. هناك أيضا أمثلة أخرى في الجانب الاستثماري للأندية تتمثل في تكوين بعض رؤساء الأندية لمحافظ استثمارية تستثمر في الأسهم المحلية يخصص ريعها للصرف على النادي وشراء اللاعبين دون أن تكون هناك حاجة لانتظار معونة رعاية الشباب، أو دعم أعضاء الشرف. تلك المحافظ الاستثمارية حققت أرباحا ضخمة خلال العام 2005 استخدم بعضها للاستثمار بقطاعات أخرى خارج سوق الأسهم المحلية. هل تقتصر موارد الأندية الرياضية المتوقعة على هذين الرافدين، الاستثمار وبيع عقود اللاعبين،؟ قطعا لا يمكن حصر إيرادات الأندية في حالة خصخصتها على هذين المجالين. هناك الكثير من الحقوق المالية التي تخسرها الأندية الرياضية بسبب فقر الأنظمة الرياضية والتجارية ذات العلاقة بحقوق الملكية. الأندية الرياضية تخسر ملايين الريالات بسبب حرمانها من مستحقاتها الحقيقية من النقل التلفزيوني، المحلي والخارجي، وحرمانها من نسب أرباح الإعلانات، والاستغلال غير النظامي لشعارات الأندية، وأسمائها وأسماء لاعبيها في أشرطة الألعاب الإلكترونية وعلى الملابس الرياضية المنتشرة في المحلات التجارية وغير ذلك من استغلال لحقوق الأندية. فيما يخص النقل التلفزيوني، يفترض أن يكون هناك تقييم خاص لنقل المباريات تلفزيونيا بحسب شعبية الأندية، وحسب نوعية المباريات أيضا، خلافا لما هو معمول به حاليا. هناك محطات رياضية تتمنى نقل مباريات الديربي السعودي، ومباريات بعض الأندية الجماهيرية وتعرض من أجل ذلك مبالغ خيالية لا يمكن مقارنتها بما تتقاضاه الأندية في الوقت الحالي. مثل هذا يدخل ضمن الفرص الربحية الضائعة على الأندية السعودية. خصخصة الأندية تستحق عناء الدراسة والمغامرة في تطبيقها التطبيق الأمثل حيث يعتقد أنها ستحقق للدولة عوائد مالية مجزية جراء بيعها للمستثمرين. هذه العوائد يمكن إعادة استثمارها في بناء الملاعب الرياضية العالمية في المدن الرئيسية لسد النقص الشديد للملاعب. الخصخصة أيضا ستوفر على الدولة المعونات السنوية التي تقدمها للأندية الرياضية. أما على المستوى الاستثماري فإن تخصيص أندية الدرجة الأولى سيحقق للمواطنين فرصا استثمارية واعدة وسيضيف إلى سوق الأسهم 12 شركة جديدة ما يعطي السوق عمقا إضافيا هي في أمس الحاجة له. خصخصة الأندية ربما تقود إلى تأسيس طبقة رياضية استثمارية أكثر وعيا بمتطلبات العصر وصناعة الرياضة بل وصناعة الإعلام الرياضي بشكل عام. الخصخصة هي التي طورت الأندية الأوروبية حتى أصبحت تمثل قوة اقتصادية لدولها ولمجتمعاتها المحلية. ما حدث في الغرب يمكن تطبيقه محليا خصوصا مع النمو الاقتصادي غير المسبوق الذي تشهده المملكة حاليا. ** [email protected]mail.com كاتب ومحلل اقتصادي
إنشرها