عراقيل الاستقدام تخنق الاقتصاد الوطني

لا أشك أن القرارات التي تصدرها وزارة العمل لمعالجة قضية البطالة تنبع من رغبة صادقة واجتهاد مطلوب من جهة معنية بهذه القضية الوطنية الحساسة لإيجاد حلول مقبولة وسريعة للقضاء على هذا الداء إن جاز لي التعبير.
وأظن أن الوزارة تدرك أن هذه القضية الشائكة لم تظهر فجأة وإنما ظهرت نتيجة لسياسات تعليمية وتدريبية واجتهادات غير موفقة من جهات حكومية مختلفة لها علاقة بهذه القضية غيبت الأهداف العليا عندما وضعت أهدافها وساهمت مجتمعة في ظهور وتفاقم البطالة في أوساط الشباب.
كما أظن أن الوزارة تدرك أن أي حلول سريعة قد تتبناها ستكون مثل المهدئات التي لن تقضي على الألم وإنما ستؤجله إلى حين، فعلاج هذه القضية لن يكون عن طريق سن قرار بمنع الاستقدام أو نقل الكفالة أو غيرها من القرارات الأخرى، وإنما سيتطلب تعديلا كبيرا وجوهريا في استراتيجية التعليم والتدريب ووضع حد أدنى للأجور وتقنين ساعات العمل وخفضها وعملا دؤوبا ومستمرا لجلب الاستثمارات الأجنبية والوطنية وتسهيلات للمستثمرين المحليين تحفزهم على طرق باب المشاريع المنتجة وأمورا أخرى كثيرة، أي أننا نحتاج إلى ورشة عمل كبرى تقودها وزارة العمل وتشارك فيها الأجهزة كافة ذات العلاقة لكي تتكامل الجهود وتنسجم الأهداف مع بعضها لبعض.
أعود لجهود الوزارة في هذا الصدد لأقول إنها اختارت أو وجدت نفسها أمام الحلول السهلة التي لا تفرق بين مستثمر وآخر وبين نشاط وآخر والأهم أنها لا تأخذ المصالح الوطنية العليا في الاعتبار إلى حد ما تماما كما فعلت الأجهزة الأخرى التي شاركت بخططها وأهدافها في ظهور قضية البطالة في أوساط الشباب، ولجوء الوزارة لتلك الحلول سينتج عنه تفاقم البطالة بشكل أكبر وسيؤدي إلى أضرار اقتصادية مؤلمة جداً.
من السهولة غلق باب الاستقدام أو تضييقه ووضع رجال الأعمال أمام الأمر الواقع إلا أن هذا الحل ستنتج عنه أضرار اقتصادية أشد قسوة من ضرر بقاء آلاف من الشباب عاطلين عن العمل في الوقت الحاضر، فالأمر لا يتعلق بالوزارة فقط وإن كانت هي المعني الأول به لأن هناك اقتصادا وطنيا يحتاج إلى مئات أو آلاف المشاريع الجديدة سنوياً وهناك أهداف عليا لتنويع مصادر الدخل وتفعيل دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية ورفع حجم الصادرات الوطنية للأسواق العالمية والتقليل من الاعتماد على النفط في تمويل موازنة الدولة وجميعها لن تتحقق إذا ما واصلت وزارة العمل التغاضي عن مبررات رجال الأعمال ووجهات نظرهم بهذا الخصوص.
يمكنني القول إن العديد من رجال الأعمال يتجنبون الآن مجرد التفكير في تأسيس مشروع منتج يتطلب عمالة غير سعودية وإن كان سيوظف نصف عمالته من السعوديين لأنهم يدركون أن دهاليز وزارة العمل لن تساعدهم على المضي في مشاريعهم بسهولة في وقت تتسرب فيه أخبار مفادها أن حجم الأموال التي استقطبتها إمارة دبي من السعوديين هذا العام تتجاوز أو تقترب من 50 مليار ريال، ولن أستغرب أن تتضاعف في العام المقبل إذا كان بإمكان المستثمر الحصول على جميع العمالة التي يطلبها بأسعار رخيصة جدا وبإجراءات سهلة وميسرة والأهم أن بإمكانه تصدير منتجاته للأسواق السعودية دون رسوم جمركية كما تنص عليه اتفاقيات مجلس التعاون الخليجي.
اختتم كلامي برسالة لوزير العمل أقول فيها إن أي مشروع يتم تأسيسه في وطننا سيوظف سعوديين بلا شك وسيساهم في القضاء على البطالة وإن كان بعد حين وسيفيد اقتصادنا الوطني كما أن أي عقبات أو اشتراطات استقدامية تسنها الوزارة لا تأخذ بعين الاعتبار التسهيلات المقدمة من الأسواق المجاورة ستكون ضارة غير نافعة، كما أذكر أن تسهيل الاستقدام يحقق أهدافا مهمة للاقتصاد الوطني نحن في أمس الحاجة إليها، وأن المشاريع الجديدة مطلوبة لتوفير آلاف الوظائف ليس للعاطلين الآن وإنما للخريجين في السنوات المقبلة، واستسمح معاليه بالقول إن الاستقدام يحتاج إلى حوار وطني يشارك فيه كل ذي علاقة به فخنق الوظائف التي توفرها المشاريع الجديدة أقسى من توظيف عاطلي اليوم، فهل تستجيب الوزارة وتستمع لمعارضي توجهاتها؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي