سِتْر .. واقع يشبه الواقع على وجه التقريب ( 1 من 2 )
للنص شكل إنساني، فهو صورة وجناس تصفيحي للجسد البشري. هذا ما يقرره رولان بارت إزاء لذة النص، وتؤديه رجاء عالم في روايتها "سِتْر" بلطف سردي يقوم على توصيف درامي للرغبات "كأنما للجسد لغة محبوسة ما إن تأمن للعتم حتى تنبسط وتثرثر وترغي وتزبد" فبمقتضى هذه الكثافة الحسية الملذوذة تتشكل قيمة نصها الروائي، داخل جسد لغوي نابض بالحياة، ومن خلال وقائع مادية تتم روحنتها ونقلها إلى النص ببذخ ورهافة، لتكثيف الرؤية ودمج مركبات الصوت المختلفة، وصولا إلى ما يعرف بإيقاع اللحظة.
إذاً، ثمة إحساس رغبوي خالص يستبطن النص، تتبدى آثاره العنيفة منذ أول عبارة فارطة في الشهوية، أي تلك التي تستهل بها روايتها كمعالنة سردية "مرت بلسانها على شفتيها، دغدغة من رغوة القهوة لا تزال عابقة هناك، تحب أنفاسها مضمّخة بالقهوة، تشعر أن إغراء شفة مغمسة بالقهوة لا يقاوم" بما يعني استزراع طيات النص الغائرة بحركة حسية وتلوين شهواني، لا يفصح عن تماس مباشر بالحواس، إنما عبر مواربات، كما تحيل دلالة العنوان "سِتْر" بما هو عتبة (نص/جسد) يبث بشيء من الإغواء إشارات التجلي والإنحجاب، وكأن السرد بمجمله ينحى نحو واقعية مزيفة، من خلال رواية مفتوحة لا تنغلق بموجبها الحكاية على نفسها، ولا تعلن الذات الساردة انهمامها بتفسير دوافعها، بقدر ما تسيل على الواقع لتعطيه شكلا.
هكذا تحس رجاء بالواقع وتتخيله، حيث تمزج الواقعية بالمجاز في رواية متحذلقة، تقوم على تصديع السرد، والاحتفاء بالحسي في آن، وفق آلية مرواغة، معاندة للروّي الخطي، إذ تبين وتخفى من النص، ومن التمثلات المادية والواقعية المسرودة ببذخ، ما ينبئ عن حركة حسية تستبطن البنى العميقة للنص المرصع بالإشارات الشهوية، بحيث تسمح بالحدس ولكنها لا تكشف بشكل كلي عن المخبوء، فيما يبدو استراتيجية سردية لاستدامة الأثر الملذوذ لحكاية مروية بلسان أنثى ترتد إلى الوراء لتتنصص، في محاولة جمالية للقبض على ذاتها التي تبحث عن شكل سردي داخل الحالات والأشياء في لحظة تلاشيها أو انهدامها، كاستعاضة عن وجود مضيّع.
ببساطة اللغة التي يتكلمها جسدها، تنسرد طفول. وبلغة لا تعرفها، تتملك جسدها، تتلاغى وجسد فهد كحيوان صارخ يحاول احتلالها، أو شقها إلى نصفين، تتكلم وتطلق أحاسيسها الأنثوية الدفينة، لتفصح هي ومريم عن الحاجة العميقة لجرعات ذكورية, واقعية واستيهامية, كما يتحشد السرد في تنادمهما، وكما تنقل المعاني الحسية لمخطط الرواية الغامض بعض الشيء، من خلال ذات أنثوية ساردة تتفنن في استعراض بهجة عتيقة بشخصيات ذكورية منقوصة تقف قبالتها بانفصام شعوري "محسن، بدر، فهد، زايد" فحين تهتفت طفول بتوق" هل يعقل أن أشعر بكل هذا الضعف دون رجل؟" تعلق عليها مريم بتحد للذات "الضعف الحقيقي مع رجل وبالرجل، اسأليني". وتعني بذلك بدر الذي لا يدرب بقدر ما يوقظ، فهو يعرف أين يتوارى جسدها، وكانت قد وصفت لقاءها به بعد طلاقها من محسن، بالتقاء نصف رجل وامرأة كاملة.
هذه الذات الأنثوية الساردة، المنبثة من تجاويف نص متعدد المستويات، تقر بأن "جسدها الدقيق كان يوما جسدا فارغا كبقية أجساد النساء" وربما نتيجة اكتشاف أقاليمه على حافة الرجل صارت تؤنث حتى المكان، إيغالا في بسط الصورة التصفيحية للجسد، أو هذا ما حاولته رجاء لتحيل الوظيفة السردية ذاتها إلى فعل تخييلي، إذ تستعير مريم من عمدة مدينة جدة الأشهر (الفارسي) إحساسه بها كجسد على هيئة أنثى، كل ما فيها يتدور وينساب، وتتحسر على محاولات اقتلاع علامات تأنيثها، والحد من إغواء تدويراتها وتذكير طرقاتها "ففي النساء من طبع المدن تسلم للغازي" أو هكذا تتغنى بأنوثتها العميقة الصامدة بعد أن عادت من لندن وأدركت حقيقتها الأنثوية، فهذا هو الناظم السردي الذي تتم بموجبه عملية التشكيل الحسي الثقافي بين حواف امرأة وتضاريس مدينة، بحيث تتطابق الرؤية المجازية مع الحقيقة المحسوسة، وكأن الواقع يمكن تخيله بنفس القدر الذي يمكن أن يعاش كقيمة مادية.
من خلال عملية التخييل تلك تتولد استيهامات تشي بانفكاك الواقع عن الرؤية، وكأن شخوص الرواية تسبح بايقاع يومي استراواحي في فضاءات مجردة، نتيجة ما تنقله اللغة من المحسوس إلى نص لا مركزية له، كما صممته رجاء، ولكن ليس لدرجة إنفلات المادة المحكية من خيطية السرد، بحيث يبدو محكيا من منظور ذات ارستقراطية ليست خالصة تماما، فهي مشوبة بالاجتماعي، ومزودة بلغة تختزن تجارب ومعارف ذاتية وجمعية متنوعة، وهو ما يفسر طاقتها التعبيرية التي توحي بقيمة فلسفية لكل ما يطوله السرد، المؤسس أصلا على لغة قوامها وقائع مادية، تعبر من خلال نقلاتها الداخلية عن صميم علاقة الأشياء والشخوص والحالات فيما بينها، كما تشي في الوقت ذاته بوجود مسافة مجازية فاصلة بين العقلي والجمالي.
إذاً، هذا هو الوجود كما تشتهيه الساردة، كما تتخيله وتعيشه كواقع يشبه الواقع على وجه التقريب، فكثرة الطرق على مفردة "اللذة" والتنويع عليها، يؤكد أن النص مكتوب بشفة مغمسة في الرغبة، مكتوية بحرقة التجربة ولوعة الاستيهامات، ولا ينبث كليا من مكامن الوعي، أو هذه هي حمولته العاطفية كما يلتمع في مفردات، ووقائع حسية، تسردها رجاء ببطء وانتشاء، عندما تتحدث عن جسد مريم المصنوع للحب الذي "ظل محبوساً في هيئة لا تعرق، لا ترغب، لا تسيل، والآن، في الثامنة والعشرين، خلع قناعه ومال إلى التلذذ بعصاراته" أو حين تصف نبتة الفقع اللينة المشبعة بليونة المطر، المدسوسة في رمل أبدي، حيث اللذة المتأتية من لحمة الأرض التي لا تضاهيها لذة.
بهذه الملاصقة الحسية يتم التأكيد مرة أخرى بأن السرد يتكئ على قيمة فلسفية، يتأتى من حساسية رومنطيقية صوفية متأصلة في ذات رجاء عالم، تقوم على التذويت، أي وعي الذات لواقعها وتاريخها الخاص، والتعبير عن ذلك الوعي بملامسة جمالية داخل تعاريج النص كما يتم تدبيره على أكثر من مستوى، حيث تتحول "سِتْر" إلى خطاب روائي شعري النزعة، لا يقتصر على المفردات بل يطول الكيفية التي تستشعر بها تلك الذات الواقع كحقيقة محسوسة، حيث تبدو مادة الحياة ممزوجة ومعروضة في نقلات أو فوضى سردية تسمح للأحاسيس بالانطلاق من مكامنها في فورانات عاطفية.