الإصلاح الإداري لا يعني التطوير الإداري (1 من 2)
لا شك أن الإدارة العامة تشكل ركنا أساسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فعليها تقع مسؤولية تحويل السياسات والاستراتجيات العامة إلى مشاريع وخدمات تلبي احتياجات أفراد المجتع. وإذا كانت سلطة أي حكومة أو نظام سياسي تتكون من السلطات الثلاث: التشريعية, القضائية, والتنفيذية، فإن الإدارة العامة تمثل السلطة التنفيذية. لذا فأهميتها تنبع من قوة التنفيذ مقارنة بالسلطات الأخرى. بل تستحوذ على صلاحيات ونفوذ أكبر عندما تكون درجة الفصل بين السلطات الثلاث أقل وضوحا و/ أو ألا يكون هناك توازن وأوضح في الأدوار بينها بحيث تكون السلطات الأخرى (التشريعية والقضائية) أقل نضجا وتكوينا بدور ضئيل وصلاحيات واستقلالية قليلة نسبة إلى السلطة التنفيذية، ما يؤدي إلى تركز السلطات الثلاث في جهة واحدة عادة في إطار السلطة التنفيذية.
إن انعدام هذا التوازن بين السلطات الثلاث وبالتالي ضعف الدور الرقابي لكل سلطة على الأخرى يؤدي إلى تفرد البيروقراطية بسلطة صنع واتخاذ القرار العام. وهذا مدعاة للفساد الإداري إذ إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. ففي ظل غياب الرقابة السياسية (السلطة التشريعية) تحولت البيروقراطية (الإدارات الحكومية) من كونها جهازا تنفيذيا وحسب إلى ممارسة صلاحيات تشريعية بل وقضائية! وأصبحت البيروقراطية كمؤسسة اجتماعية اللاعب الرئيس في تشكيل حياة الناس وتصريف شؤونهم المعيشية. البيروقراطية تعني التنظيم الكبير الذي يستند على السلطة القانونية بما في ذلك اللوائح والإجراءات النظامية (الروتينية). عملية صنع القرار تكون مستندة إلى هذه الإجراءات البيروقراطية الداخلية بغض النظر عن التوجهات العامة وتباين الأذواق ووجهات النظر بين فئات المجتمع والتغيرات الأخرى. وهنا يكمن إخفاق البيروقراطية كتنظيم وكمؤسسة تنموية في تحقيق أهداف واحتياجات المجتمع. إن مرجعية اتخاذ القرارات العامة هي تلك اللوائح التي صاغها البيروقراطيون أو التكنوقراطيون ليس كإجراءات تنفيذية وحسب ولكن كمواد تشريعية كان من المفترض أن تصدر من مجالس نيابية تعكس توجهات الرأي العام. لقد أصبح البيروقراطيون يشرعون ويفسرون وينفذون القانون، وفي الوقت ذاته هم في منأى عن المساءلة والمحاسبة. ولأن القوانين غير دقيقة تحتمل التفسير في عدة اتجاهات، إضافة إلى ميزة احتكار المعلومات جعل البيروقراطيين في وضع المتحكم وفي حرز من الانتقاد خاصة فيما يتعلق بالموضوعات الجوهرية وفي مقدمتها تحديد أولويات العمل الحكومي وتخصيص المبالغ وطريقة صرفها. كل ذلك يعطيهم القدرة على منح أو حجب المنفعة أو إيقاع العقوبة أو منعها على أساس إجراءات نظامية مطاطية طويلة صيغت داخل البيروقراطيات لا تحاكي بالضرورة الاحتياجات الفعلية للناس. فلا غرو والحال كذلك أن تكونت ثقافة النظرة الدونية للمراجعين وأن على المواطن أن يستجدي الموظف ويعلن الخنوع والخضوع التامين ليحصل على الخدمة! ولأن الكثيرين من عموم الناس يجهلون ما لهم وما عليهم قانونا بسبب أن الكثيرين غير مطلعين عليها، أو أن بعض الإجراءات معقدة غير مفهومة أو أن يكون هناك قانون مع وقف التنفيذ، فلا بأس أن تقع أخطاء إدارية ومالية وينخفض الأداء وأن تساء معاملتهم دون أن يجرؤ احدهم على الكلام أو توجيه اللوم إلى ذاك الموظف أو المسؤول خشية أن تتعطل مصالحه و يتهم بسوء السلوك. فالمسألة ليست حاله عابرة أو استثناء لفشل فني وإداري وإنما حالة ثقافية تسيطر على سلوكيات طرفي التعامل تكون الغلبة فيها لصالح الموظف والمسؤول. حيث يقوم الموظف بدور السيد والمراجع بدور التابع! وظاهر ذلك أن الاتصال يكون باتجاه واحد في علاقة غير متكافئة! يأمر الموظف فيطاع دون نقاش ويتجهم في وجوه المراجعين فيردونها ابتسامة عريضة تعلو المحيا، ويطلب أن يُراجع بعد حين حتى ولو كان بالإمكان إنهاء المعاملة في لحظتها فيذعن المراجع المسكين المغلوب على أمره حتى لا يجرح كبرياء ذلك الموظف العظيم ويقلل من هيبته وتسلطه على عباد الله. يعلن المراجع الإذعان خشية أن يغضب، فيغضب له زملاؤه في العمل لا يسألونه لماذا! ثم تكون عليه حسرات يتمنى ألا تجرأ واقترح أو تطاول فسأل أو تعجب فاستفسر. ليس من حق المراجع مناقشة ما لا يعنيه! كل شيء لا يعنيه حتى سؤاله: لماذا هذا الإرجاء لمعاملته؟ أو لعله أراد أن يتحدث للموظف بلغة المنطق فيسوق بعض الحجج ويقدم البراهين والمبررات التي تؤكد حاجته لإنهاء معاملته في وقت أقصر، ليثور عليه بوابل من الكلمات المزمجرة تفيد أنه هو الوحيد الذي يعمل في العالم! وأن على الجميع أن يحمدوا الله أن ساقه لهم لينهي معاملاتهم حتى لتخاله وهو يتحدث عن إنجازاته العظيمة والتحديات التي يواجهها عالم في الفيزياء النووية وان المشروع يتعلق بإنشاء مفاعل نووي وأنه سيضحي بحياته من أجل الوطن كل الوطن!
إنه الفراغ القانوني! الذي يؤدي لمثل تلك التصرفات فيتحول الموظف الصغير والمسؤول الكبير الذي وضع من أجل خدمة الناس والسعي حثيثا لإنهاء معاملاتهم بكل يسر ولطافة إلى سلطان جائر يتحدى بجبروته الجميع! أصبح الموظف في ظل غياب الرقابة على البيروقراطيات (الأجهزة الحكومية) تلفه هالة من القدسية والهيبة لا تنسجم مع اسم "الخدمة العامة" خدمة جميع الناس. فالكثيرون من موظفي الدولة في ظل الثقافة الإدارية السائدة يرون في الوظيفة وجاهة وسلطان وأن هذه الوجاهة لا تتأتى إلا من خلال التسلط على المراجعين بتأخير وتعقيد إجراءات معاملاتهم أو جعلهم يخوضون تجربة الإذعان لهم بتهكمهم عليهم وتذكيرهم بمن المسيطر، والانخراط في لعبة أنا أقول أنت تنفذ! دون قيد أو شرط ودون اعتراض أو استفسار! فيتحول المراجع إلى خادم مطيع! وهاكم مقطع من الحوار الذي أجزم أنه يتكرر على كثير من المراجعين:
اذهب واحضر ملفا!
يحضر الملف،
لا ليس ملف أخضر ملف أصفر ويردف قائلا على سبيل المزاح الساخر أنا أحب اللون الأصفر! وربما قال إنت لا تفهم أو لا تسمع.
ثم ماذا؟
املأ النموذج وأحضره؟
ليتك قلت لي جميع المطلوبات مرة واحدة،
ماذا تقول؟! ... بصوت حاد فيه تحد وتهديد ووعيد.
لا شيء.. لا شيء.. سلامتك.
ويتمتم المراجع بكلمات من هول ما يرى فيقول أما سمعتم عن الحكومة الإلكترونية!
فيتدارك الأمر بعدما رأى عيني الموظف ترمي بشرر وتتوعده في تعطيل معاملته، فيسارع يلحق اللعنات بحواسيب الأرض كلها ولعله تعرض بالنقيصة لبيل جيت وكل من أسهم في الاتصال الإلكتروني. بل ويعلن براءته وعشيرته التي تؤيه من هذا الجرم العظيم الذي لحق بالإنسانية! ومع هذا كله ينتهي الحوار بالكلمات التقليدية تخرج منسابة من شفتي الموظف بتلقائية ودون أدنى وعي "راجعنا..." فيرد المراجع "حاضر سيدي" وعلى بعد خطوات يرفع يديه إلى رب الأرباب "حسبنا الله ونعم الوكيل".
ومع كل الإنفاق السخي على التدريب, الاجتماعات, الأبحاث, والدراسات منذ زمن بعيد إلا أن الأمور كما هي لم تتغير. لقد اعتدنا أن نكيل الاتهام على التنظيم البيروقراطي ظلما وعدوانا في كل مرة نحس الإخفاق ويتراجع الأداء. والحل دائما المطالبة بمزيد من التطوير الإداري تحت اسم الإصلاح الإداري وشتان بين الاثنين. فالتطوير الإداري يعنى بإحداث تغيير في الإجراءات والعمليات الإدارية وزيادة البرامج التدريبية وربما إنشاء إدارات جديدة لكن كل ذلك دون المساس بالفلسفة الإدارية القائمة ولا بمنظومة القيم والأخلاقيات. بينما الإصلاح الإداري يستوجب تغييرا جذريا في الثقافة والفلسفة الإدارية بما يضمن الشفافية والمساءلة والمحاسبة والانضباطية بالعمل وتحديد الأدوار والسلوكيات والقيم المقبولة وغير المقبولة وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب والتأكيد على جودة الخدمة ومنح العموم الحق في ذلك. أن بذل الجهود في سبيل التطوير الإداري بزيادة عدد البرامج التدريبية أو وضع تنظيمات جديدة أو تعيين مديرين جدد قد لا يكون مجديا في إطار الثقافة الإدارية السائدة. على سبيل المثال الجهود المبذولة في تطبيق الحكومة الإلكترونية لن تفلح إذا لم يكن هناك استيعاب لفكرة أن الأجهزة الحكومية أنشئت في المقام الأول من أجل تسهيل حياة الناس وتحقيق رضاهم وراحتهم وأن يكون لهم سلطات عبر المجالس النيابية و جمعيات المجتمع المدني يحفظها لهم القانون العام. ففلسفة الحكومة الإلكترونية تعتمد على تقاسم المعلومات وجعلها في متناول الناس وإشراكهم في عملية صنع القرار وسرعة الاستجابة لمطالبهم.
ما نحتاج إليه أولا وقبل كل شيء هو تصحيح النظام الإداري وإيجاد ثقافة جديدة تقوم على أن الموظف العام في جميع المستويات في خدمة الناس ليس نظريا وإنما ممارسة وتطبيق. كفانا إصدار إجراءات وإنشاء إدارات وبرامج تدريبيه دون أن نعلم لذلك هدفا أو أن نحقق تغييرا حقيقيا في الممارسة الإدارية والتعامل مع المراجعين وتقديم خدمات متميزة مطلوبة. مازلنا في أول الطريق وهناك عدة أسئلة تبحث عن إجابات: أين نحن متجهون؟ وما نحاول تحقيقه؟ هل هناك بناء للخبرة الإدارية؟ هل هناك متابعة وتقييم مستمران للأجهزة الإدارية؟ ما معايير تقييم الإدارة الناجحة؟ هل مديرو الإدارات العليا مطالبون بتقديم سياساتهم وخططهم المستقبلية حين توليهم مناصبهم؟ كيف نميز بين القيادات الإدارية الناجحة وتلك التي لا تمتلك قدرة إحداث تغيير الأشياء للأفضل؟ كيف يمكن التطوير ومازال لدينا أنظمة مالية بالية مبنية على ثقافة أن الأشياء من حولنا ثابتة لا تتغير؟ كيف نتقدم إداريا والمدير مطالب بأن يكون روتينيا حتى الجمود لا مبدعا ولا مبتكرا؟ هل القوانين في خدمة الناس أم الناس في خدمة القوانين؟ هذه الأسئلة وغيرها هو ما سنعرض له في الأسبوع المقبل ـ بمشيئة الله.