فائض الميزانية وتنمية المناطق

تنمية مناطق المملكة بشكل عام والمناطق الأقل نموا خاصة الأجزاء الشمالية والجنوبية، تعتبر من أهم الوسائل والتوجهات التي تساعد على تحقيق التنمية المتوازنة، وتحد من نسبة الهجرة العالية للمناطق الأكثر نموا، خصوصاً مناطق المحور الأوسط من المملكة والتي تشمل الرياض ومكة المكرمة والشرقية والقصيم وإلى حد ما المدينة المنورة، هذه المناطق التي استفادت من إمكانات الوفرة الاقتصادية الأولى وما تلاها من إمكانات تنموية للاقتصاد الوطني.

إن توجيه جزء من الفائض المالي الذي تحقق خلال الفترة الماضية لبعض المناطق الشمالية والجنوبية سيساعد على رفع المستوى التنموي في العديد من مدنها، خصوصاً ذات الإمكانات التنموية الجيدة، ومن ذلك الرفع من مستوى الطرق داخلها وبين المناطق الأخرى، وتوطين الاستثمارات الحكومية الاقتصادية القادرة على إيجاد فرص العمل وجذب الاستثمارات الخاصة.

إن الالتفات إلى إنشاء مشاريع حكومية رائدة في هذه المناطق ووفقاً لما تم إعداده من استراتيجيات تنموية إقليمية بها في ضوء المخططات الإقليمية والهيكلية التي يجري إعدادها الآن، والتي تبرز الإمكانات التنموية في كل منطقة والميزة النسبية لكل منها أمر ضروري يجب ألا يؤجل أو أن تقدم مشاريع محددة دون وجود نظرة تنموية متكاملة تأخذ في اعتبارها الدور الوظيفي الرائد للمنطقة وإمكاناتها ومواردها الاقتصادية.
إن المتابع لما يصرح به أمراء المناطق وما يتم من مناقشات في مجالسها من توجهات تنموية تعتمد على المقومات التنموية بها، وكيف أن توافر الإمكانات المالية البسيطة يقف عائقاً أمام تحقيق طموحاتهم في بناء مدن ومناطق قادرة على النمو والتنمية والازدهار وتوطين السكان وإيجاد فرص العمل، فهناك مثلاً الأفكار التي تدعو إلى وجود جامعات إقليمية الموقع عالمية التوجه تسعى إلى توطين كليات علمية تكون قبلة لأبناء الوطن والدول المجاورة وغيرها، بحيث يحقق ذلك نوعية مختلفة في مخرجات التعليم وأهدافه ويضع المملكة على قائمة الدول ذات الرؤية العالمية في مجال التعليم، ونعرف جميعاً كيف أن مدناً كثيرة في العالم تقوم مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية والاجتماعية فيها على وجود جامعة تحمل مثل هذه الرسالة العالمية، كما أن هناك مناطق تملك من مقومات إنشاء ما يسمى بصناعة الدواء وما يرتبط بها من مراكز أبحاث وتطوير استزراع النباتات ذات القيمة الدوائية المتوافرة في تلك المناطق، وهذا يساعد على إيجاد دور وظيفي متميز لمثل تلك المناطق، كما أن هناك مناطق تملك من المقومات السياحية ما يفوق العديد من المواقع السياحية العالمية، وما يعوق تطويرها هو ضعف البنية التحتية للمرافق والخدمات والطرق، ودعمها بمشاريع تطويرية استثمارية حكومية، كما أن هناك مناطق تملك إمكانات ساحلية واستثمارات بحرية لا تخفى على العديد منا. إن بعض الأنظمة والتعليمات الحكومية تقف عائقاً دون تطوير مثل هذه المناطق يضاف إلى ذلك غياب الدعم المالي الحكومي المباشر لمثل هذه المناطق.

إن الحاجة ماسة إلى توجه الحكومة إلى دعم توطين مشاريع وطنية قادرة على نشر التنمية من خلال إنتاجها لمشاريع أصغر تعمل على تشغيل مختلف القدرات البشرية والأيدي العاملة، هذه المشاريع التي تعرف بالمشاريع التحويلية التي تبني الاقتصاديات الإقليمية من خلال المشاريع المتوسطة والصغيرة، والتي تعتمد على ميزانيات مؤسسية أو صغيرة متوسطة.

لقد أصبح الكثير من مدن هذه المناطق في الغالب لا تتعدى كونها أحياء سكنية تنمو دون دور اقتصادي واضح، يغلب على معظم سكانها العمل الحكومي التقليدي، ينتهي يومهم قبل أن يبدأ دون أي أنشطة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية. يقتل الفراغ معظم وقتهم، وقد يكونون بيئة خصبة لانتشار الأفكار الهدامة التي أصبحت لا تخفى على أحد منا ولا نختلف حول مسبباتها حيث يعتبر الاقتصاد والعمل المالي على رأس قائمتها لأن مختلف شعوب العالم تعمل في ضوء تطوير إمكاناتها المالية لتعيش حياة رغيدة، وهذا يتطلب العمل الدائم المنتج وليس العمل التقليدي الذي يدور حول نفسه، ويقضي معظم وقته في الأحاديث السياسية والتحاليل غير المفيدة والتجمعات غير المثمرة إلا بما يضر مصلحة البلاد والعباد.

إن تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة بين مختلف مناطق المملكة وداخل كل منطقة لا يمكن أن تتم بجهود فردية محدودة وإمكانات مالية ضعيفة، وإذا لم تدعم الحكومة وبشكل مباشر هذه المناطق وفقاً لبرنامج تنموي تقدمه كل منطقة توضح فيه إمكاناتها التنموية، وكيفية استثمار المبالغ المخصصة لها لتحقيق الهدف الوطني للخطط الخمسية، والتي يؤكد عليه في كل خطة حول أهمية تحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف مناطق المملكة، ومما تم اعتماده من دراسات تخطيطية وطنية وإقليمية ومحلية، خاصة الاستراتيجية العمرانية الوطنية المعتمدة تم فيها إيضاح حجم الفجوة التنموية والحاجة إلى معالجتها واقتراح مختلف الأساليب والأدوات لتحقيق ذلك وأهمية وضع مثل هذه الدراسات موضع التنفيذ.

إن الفرصة اليوم وبالإمكانات المالية والاقتصادية والمعرفية المتوافرة ووضوح الرؤية تمثل الانطلاقة المثلى لتفعيل جميع التوجهات الوطنية الداعية إلى دعم تنمية المناطق الأقل نمواً من خلال تخصيص جزء من فائض الميزانية يوجه لتلك المناطق، وفقا للدور الوظيفي الوطني المعتمد لها على شكل مشاريع اقتصادية حكومية تساعد كما ذكرت سابقاً على توطين الأنشطة الاقتصادية الرائدة، والتي تساعد على إنتاج وتوفير أنشطة اقتصادية أصغر تنتشر في محيط التنمية الإقليمية المركزية وتوفر فرص عمل حقيقية لأبناء تلك المناطق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي