الإرادة والإدارة والأنظـمـــة
العمل لينجح سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو الخيري أو غيره من المؤسسات والأجهزة يحتاج إلى ثلاثة مكونات أساسية الإرادة، الإدارة، والأنظمة.
الإرادة هي القدرة على الحلم وتحويل الحلم إلى خطة، لأنه كما يقال حلم بلا خطة جهل مدقع، هذا الحلم وانتقاله إلى رؤية والرؤية إلى خطة قابلة للتنفيذ يدعمها إرادة قوية لا تؤمن بالمستحيل أو تخاف التغيير أو تخشى النقد أو تهاب المعارضة، تملك الإرادة على تحدي الصعاب والوقوف بحزم أمام كل عقبة كبرت أو صغرت، هذه الإرادة تعد الخطوة الأولى والأهم في البنية التنموية السليمة سواء بناء الإنسان والاهتمام به ومتطلباته أو تنمية المكان وما يتطلبه من خطط ومشاريع وبرامج.
الإرادة حتى تحقق حلمها ورؤيتها تحتاج إلى وجود قدرة وقوة إدارية متميزة تفهم ما يراد منها وتعي متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل لا تقبل بالعمل القليل أو الهامشى أو الشكلي ولا تغرق في مستنقع العمل اليومي الروتيني وتراكم الأوراق وكثرة العروض والشروح والمكاتبات، تفهم دورها ومتطلباتها وتعي كيفية تفعيل كل القدرات البشرية العاملة معها بغض النظر عن عددها وكفاءتها. هذه الكفاءات الإدارية لا يعطلها موقف سلبي أو اعتراض من أصحاب المصالح الخاصة أو غير القادرين على رؤية حقيقة الحلم وإمكانية تحقيقه. كما أن هذه الكفاءات الإدارية يجب ألا تتقوقع على نفسها أو تغلق باب الفكر والرأي والمشورة والمعارضة لذلك كله، تحاور وتناقش وتبحث عن الأفضل لتحقيق الحلم، لا تتعلق بالكرسي ومصالحه، ولا تجعل الوظيفة هدفا للبقاء فيها إنما تجعلها وسيلة لتحقيق رغبة الإرادة وطموحها. هذه الكفاءات يتطلب منها البحث عن الكفاءات الأخرى وتحقيق الهرم الإداري القادر على الاستمرار في تنفيذ وتطوير البرامج والخطط التي تعمل عليها في ضوء رؤية وحلم الإرادة التي تدفعها نحو ذلك. هذه الكفاءات الإدارية لا تقتل الطموح لدى الآخرين ولا تبعد المتميزين ولا تفكر وفقاً للمقولة "أنا ومن بعدي الطوفان". هذه الكفاءات الإدارية لا توظف القريب لأنه قريب، والصديق لأنه صديق، ولا الحبيب لأنه حبيب، إنما تبحث عن الكفاءات التي تحقق معها وبها حلم التنمية والإرادة، العمل فيها للأفضل والبقاء فيها لصاحب العطاء الأميز.
الإرادة والإدارة حتى تحقق الحلم تحتاج إلى أنظمة لا تقبل التعديل اليومي ولا الاستثناء لأغلب الحالات ولا تراعي العلاقات أو المصالح الخاصة، أنظمة واضحة مكتوبة قابلة للتطبيق محققة لأهداف وطموح الإرادة والإدارة، أنظمة ليست تراكمية نتيجة عدم المراجعة، أنظمة لم تتخذ لمعالجة حالات فردية ثم تحولت إلى نظام عام يصعب تطبيقه وهي في الغالب أنظمة يطلق عليها طفاية حريق، أنظمة لا تصمم لتبقي الأمر والنهي والتوجيه والتعديل في يد فئة معينة لا تثق بالأجهزة العاملة معها ولا تعطيها المساحة التي تساعدها على الإبداع والتطوير وإنجاز الأعمال تحت نظام مراقبة إيجابي التوجه يشكر ويقدر المنجز ويحاسب ويعاقب المسيء.
الإرادة والإدارة والأنظمة مثلث لا يستغني بعضه عن بعض، فإذا كانت الإرادة قوية والإدارة متمكنة والأنظمة ضعيفة أو يسهل اختراقها لا يستطيعان العمل، وإذا كانت الإرادة قوية والأنظمة جيدة والإدارة ضعيفة لا يمكن تحقيق الحلم، أما إذا كانت الإرادة ضعيفة أو غير قادرة على رسم الحلم وتحويله إلى رؤية والإدارة قوية والأنظمة جيدة فإن المصيبة تكون أكبر، لأن الإرادة تعد العنصر الأكثر فاعلية في هذا المثلث ووجودها مهم جداً، إضافة إلى أهمية الإدارة والأنظمة.
مثلث الإرادة والإدارة والأنظمة يحتاج إلى عديد من العوامل المساعدة داخل هذا المثلث مثل وجود بنية معرفية وخدمية داعمة للأهداف والخطط، ويبقى السؤال الذي يبحث عن إجابة: أين الخلل في المنظومة التنموية الإدارية في المملكة بناء على مثلث الإرادة والإدارة والأنظمة؟ وما الحلقة الأضعف بينهم؟ ولماذا؟
سؤال سأحاول الإجابة عنه في مقال مقبل، إن شاء الله.
وقفة تأمل:
"يسبق الإبداع حلم المبدعين
والعظايم أصلها ومضات فكره
والفرص نفحات رب العالمين
من تجي له فرصته بالعمر مرة
عادي الأيام تمحاه السنين
ويحفظ التاريخ للإبداع عصره"