البريد خدمة أم جباية؟
لا أعلم لماذا يثقل كاهل المواطن المستفيد من الخدمات البريدية بأعباء مالية في حين أن معظم دول العالم تقوم بإيصال المواد البريدية إلى المنازل بالمجان؟ ربما أن يتعلق الأمر بفلسفة القائمين على البريد لدينا فهم يعتقدون أن العميل الذي تصل إليه المواد البريدية ينبغي أن يدفع مقابل الخدمة التي تقدم له رغم أنها خدمة متواضعة وظلت لسنوات طويلة خدمة كسيحة، أو ربما أن القائمين على البريد لا يعلمون أن إيصال المواد البريدية لصاحبها يعد واجبا على الجهة التي أوكل إليها هذا الأمر وينبغي ألا تتقاضى أية رسوم مهما كانت مقابل هذا العمل، لكن الحاصل أن مؤسسة البريد تريد جني أرباح لم تستطع جنيها من الجهات المرسلة على حساب المستقبل.
البريد الذي ظل لسنوات طويلة يعاني سوء الخدمات وقلة عدد الصناديق البريدية المخصصة للمواطنين لدرجة وصل فيها الأمر أن تباع وتشترى بمبالغ كبيرة قام بخطوة مهمة لإيصال المواد البريدية للمواطنين في منازلهم لكنه بدل أن يحمل تكلفة هذه الخدمة على من يرسل تلك المواد حملها على من يستقبلها في وضع معكوس قل أن نجد له مثيلا في العالم، فإذا كانت معظم المواد البريدية تقوم بإرسالها البنوك وشركات الاتصالات فينبغي أن تتحمل هي وحدها تكلفة إيصالها فهي قادرة علي دفعها أما المواطن الذي ظل يشترك مدة سنوات طويلة مع جيرانه وأقاربه في صناديق بريدهم لعدم توافر الصناديق من قبل الجهة التي أوكلت لها مهام إيصال البريد فهو مطالب أن يدفع اليوم 300 ريال سنويا، وعليه أن يختار من يستفيد من خدمات الصندوق ويعتذر لهذا وذاك عن عدم قدرة صندوقه على استقبال رسائلهم لأن تعليمات مؤسسة البريد تقول إن الصندوق ينبغي أن يستقبل بريد عشرة أشخاص فقط وربما نست أن بعض البيوت فيها أكثر من عشرة أشخاص.
ينبغي ألا تنطلق أعمال تطوير البريد بمعزل عن فلسفته التي تطبقها أفقر دول العالم وهي فلسفة تقوم على أن هذه الخدمة خدمة إنسانية في المقام الأول وخدمة مجانية للمرسل إليه في المقام الثاني وخدمة ينبغي أن تؤدى على أكمل وجه في المقام الثالث، أما إذا انحرفت تلك الفلسفة عن إطارها العام وطغت عليها النظرة المادية والربح والخسارة فإنها تصبح أعمال جباية ينبغي أن يوضع حد لها.
من الصعب في ظل المعطيات الحالية أن تحقق مؤسسة البريد تطلعاتها في أن تكون مواردها كافية لمقابلة التزاماتها، وينبغي ألا تتمادى في فرض رسوم كبيرة على من يستقبل الرسائل البريدية في حين تتغاضي عمّن يرسل تلك الرسائل، فهي عندما قامت بتركيب صناديقها في جميع المنازل دون أن ترجع لأصحابها أخطأت وعندما بدأت تلك الخدمة كانت الخدمة متواضعة وتتصف بالبطء وفوق ذلك فرضت رسوما على تلك الصناديق.
حتى تنجح الخدمات البريدية لابد أن تتغير فلسفة القائمين على تلك الخدمة فبدلا من تركيزهم على مستقبل المواد البريدية لتعظيم إيراداتهم ينبغي التركيز على مرسلها وبدلا من محاولة التضييق على أصحاب الصناديق بالرسوم الكبيرة وتحديد عدد الأسماء التي يستقبلها الصندوق ينبغي تطوير الخدمة المنزلية أولا وجعلها جاذبة للعميل.
يا ترى كم عدد الصناديق البريدية المنزلية التي فعلت خدماتها مقابل عدد الصناديق التي تم تركيبها؟ وكم عدد الصناديق التي أتلفت؟ وكم عدد الشكاوى التي يستقبلها مسؤولو البريد حول خطوتهم الأخيرة بخصوص الصناديق القديمة؟ وهل عمل حساب الارتباك الذي سيحصل مع تطبيق هذه الخدمة؟