مقترحات لوزارة التجارة بشأن غلاء الأسعار

[email protected]

خلال هذه السنة والسنة الماضية تعرضت الأسواق المحلية لارتفاع فاحش في كثير من البضائع, والسلع ذات المساس المباشر بحياة الناس اليومية ومعاشهم, وقد تناولت الأقلام, والبرامج, والأحاديث هذا الموضوع بالتحليل, والمناداة للجهات ذات العلاقة كي تقوم بدورها الرقابي للحد من موجة الغلاء العارمة التي تأثر بوطأتها كل بيت, واكتوى بحرارتها كل ولي أمر نظراً لصعوبة توفير متطلبات الحياة حتى تحولت الأمور إلى أوضاع مزعجة تنذر بأخطار جسيمة لا تحمد عقباها على الصعيد السلوكي والأمني الذي يتأثر بدوره برضا الناس, وتوافر معاشهم الذي به يحيون, وتستقيم حياتهم. وبغرض التفاعل مع الموضوع بموضوعية, وتفكير منطقي لابد من طرح مجموعة من الأسئلة التي ربما تكشف لنا واقع الحال، هل كل البضائع شملها الغلاء؟ والإجابة ربما تكون لا، لكن لابد من الإقرار بأن أهم البضائع, وأكثرها مساساً بحياة الناس تعرضت لارتفاع فاحش في أثمانها، ولذا لابد من التفريق بين نوعين من البضائع بضائع أساسية، وأخرى ثانوية, أو ما يمكن أن يطلق عليها الكماليات، أما السؤال الثاني بشأن الغلاء فهل هو صحيح أن الغلاء عالمي؟ ولو قدر, وكان الجواب نعم فهل الغلاء عالمي في كل البضائع والمواد أم أنه في بعضها؟ ولو تأملنا في سوقنا المحلية لوجدنا أن البضائع في هذه السوق يمكن أن تصنف عدة تصنيفات، إذ توجد بضائع مصنعة محلياً وموادها الخام من المواد المتوافرة في الوطن مثل الأسمنت الذي طاله الغلاء, وأصبح محل ابتزاز، حتى إن مَن يعملون في قطاع البناء لا يجدون بعض أنواعه, ويفاجأون بزيادة أسعاره يوماً بعد يوم، حتى إن بعض المقاولين اعتذر عن بعض العقود أو عجز عن الوفاء بها, وهذه السلعة يصعب ربطها بالسوق العالمية, إذ لا يمكن تبرير ارتفاعها بارتفاع المواد الخام التي يصنع منها الأسمنت طالما أن المادة الخام موجودة محلياً. أما النوع الثاني من البضائع التي يصعب تبرير ارتفاع أسعارها فهو الخضار, والفواكه المنتجة محلياً كالطماطم, والخيار, وغيرها فما الذي طرأ عليها حتى ترتفع بهذه الأسعار العالية هل البذور, أم الأسمدة, أم اليد العاملة هي السبب؟ لا أعتقد أن أياً من هذه يمثل سبباً حقيقيا,ً فالأسمدة تنتج محلياً, بل وتصدر للخارج, والعمالة لم يطرأ على أجورها ارتفاع. أما النوع الثالث من البضائع المنتجة محلياً فهو ذلك الذي تستورد مواده الخام من الخارج كتلك المواد التي يدخل النحاس في تصنيعها، على سبيل المثال، الأسلاك الكهربائية المستخدمة في أعمال البناء، فهذا النوع من البضائع الممكن أن يفهم المرء ارتفاع أسعارها, ولكن ليس بالصورة المبالغ فيها كما هو حادث الآن فتصنيعها محلياً يفترض أن يقلل من تكلفة إنتاجها إذ لا جمارك, ولا أجور نقل من الخارج, ولا تكلفة اتصالات, وأعمال إدارية إضافية. أما النوع الرابع من البضائع فهو ذلك الذي يستورد بكامله, ولا ينتج محلياً, ولا تتوافر مواده الخام في وطننا.
وهذا النوع من المواد يدرك المرء ربطه بالأسواق العالمية ارتفاعاً وانخفاضاً, ولا شك أنه يخضع لقاعدة العرض والطلب، ويمكن التمثيل بالأرز الذي يمثل إحدى المواد الغذائية الرئيسة للمجتمع السعودي, لكن هنا لا يعني التسليم بغلائه, وقبول ذلك ما لم تكن أسباب ارتفاعه واضحة فهل اجتاحت مزارعه آفات, أو سيول؟ وهل تحول الناس في العالم إلى أكل الأرز بدلاً من أكلاتهم التي اعتادوا عليها؟ أم أن في الأمر أشياء تخفى علينا؟ إذ لم نسمع عن تعرض مزارع الأرز في الهند, والباكستان, والدول الرئيسة المنتجة له لأي سيول, أو أمراض، كما لم نسمع أن سكان الأرض تحولوا إلى أكل الأرز بدلاً مما اعتادوا عليه من أطعمة وأغذية أخرى. وإذا أخذنا هذه التساؤلات في الاعتبار، فإن المبررات التي تساق بشأن غلاء الكثير من البضائع قد لا تكون مقبولة من الناحية المنطقية خاصة عند ربطها بالأسواق العالمية. إن الهدف الذي وجدت من أجله الشركات المساهمة، التي تعمل في السوق المحلية من عشرات السنين مثل مصانع الأسمنت, والحديد, والشركات الزراعية لا ينسجم مع واقع أسعار ما تنتجه هذه الشركات من بضائع, فهذه الشركات وجدت لخدمة الوطن, والمواطن, وأول خدمة للمواطن تكون بتوفير البضاعة, وبسعر معقول يتناسب مع دخله. إن مجالس إدارة هذه الشركات, وجمعياتها العمومية مطالبة بالسعي قدر استطاعتها لخفض أسعار بضائع هذه الشركات حتى لا تتحول الشركات المساهمة إلى أنياب تنهش المواطن حتى عظامه.
ترى كيف يمكن السيطرة على الغلاء والحد منه؟ إذا أخذنا التصنيفات السابقة للبضائع في الاعتبار، فإن الأمر من الممكن أن يتعامل معه بعدة صور, أولها أن أي بضاعة تنزل للسوق يلزم منتجها أن يضع عليها السعر الذي يجب أن تباع به للمستهلك، مع الوضع في الحسبان الأجور المضافة مقابل النقل للأماكن خارج دائرة جهة الإنتاج، على أن يستخدم نظام تسعير غير قابل للتلاعب به من قبل ضعاف النفوس، كما أن إعطاء المنتجين كالمصانع الكبيرة مثل "سابك", ومصانع الأسمنت فرصة البيع المباشر للمستهلك من خلال نقاط بيع محددة قد يكون حلاً، وهذا ما طالب به المنتجون لكن وزارة التجارة رفضته، وحبذا لو اتضحت الأسباب الكامنة وراء هذا الرفض.
أما البضائع المستوردة خاصة الرئيسة منها كالمواد الغذائية فقد يكون التعامل معها بالرقابة الحازمة على المستوردين, وتحديد الأسعار, ووضعها على البضاعة من قبلهم وعدم تركها مبهمة يتحكم البائع بالزبون, ويفرض السعر الذي يريد. أما الحل الأخير فهو تطبيق المثل القائل آخر الطب الكي, وهو دخول الحكومة كمستورد للبضائع الرئيسة, وبهذا تكون المنافسة بين الحكومة, والمستوردين رغم أن هذا الإجراء قد يواجه الكثير من المشكلات لكنه يبقى أحد الحلول التي قد يلجأ إليها وقت الحاجة. قبل كتابة هذا المقال قمت بجولة ميدانية التقيت خلالها مجموعة من البائعين ومن جنسيات مختلفة من مصر، ومن السودان، ومن بلاد الشام، ومن شبه القارة الهندية، وقد أبدى معظمهم عدم قناعته بارتفاع الأسعار، كما ذكروا أن ارتفاع الأسعار يتم بصورة عشوائية, وذلك لافتقاد الرقابة على الأسواق، واستشهد كثير منهم بأن ارتفاع الأسعار يتم بعد استقبال خبر من خلال التلفون أو بالفاكس رغم أن البضائع مكدسة لديهم في المستودعات منذ أشهر، فهل تدرك وزارة التجارة والجهات الرقابية الأخرى هذا الوضع وتتعامل معه بما يحتاج إليه من حزم وضبط للواقع.
إن القناعة والشعور بشعور الآخرين هو المنطلق الأساس الذي يلجم سلوك الجشع بصورة ذاتية, ومتى توافر البناء النفسي القائم على القناعة, والإحساس بالآخرين في سرائهم وضرائهم وجد الانضباط، ولنا في الحديث الشريف أسوة توجهنا التوجيه السليم "المؤمنون في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" فهل نعي هذا الحديث، وهل ندرك أن جزءاً من أبناء المجتمع يعانون ما يعانونه من مشقة, وضعف دخل, وترد في مستوى حياتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي