ارتفاع أسعار الغذاء.. فرصة
رئيس منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة حذر أمس من أزمة عالمية للغذاء وذكر أن 37 دولة في العالم تواجه الآن أزمة غذاء. هذا الوضع دون شك سوف يحوّل أسعار الغذاء في السلع الرئيسة إلى قضية مطروحة على قائمة الأولويات، في الحكومات على مستوى العالم، مع هذا الوضع نحتاج إلى التحرك الحكومي الذي يفترض أن يكون في إطار استراتيجية بعيدة المدى تعمل على وضع الآليات والإجراءات والسياسات الحكومية التي تستهدف توجيه (الأزمة) لتكون (فرصة) وطنية لمعالجة العديد من الاختلالات التي نعانيها.. وهذه الاستراتيجية يفترض أن تكون في المنطقة الفاصلة بين الفعل وردة الفعل، فارتفاع أسعار المنتجات الغذائية أصبح حقيقة أو (فعلا)، وحتى لا تكون لهذا الفعل، ردود وسلبيات خطيرة علينا أن نكون حاضرين ومبادرين ومبدعين.
ثمة قضايا أو مؤثرات علينا أن نقف عندها إذا نحن إزاء وضع استراتيجية وطنية للتعامل مع أزمة أسعار الغذاء، وسوف أتحدث اليوم عن (سلوكنا الغذائي) كأحد المؤثرات الرئيسة التي يجب الوقوف عندها. ربما لا نختلف جميعا على أننا نسرف كثيرا فيما يعرض على المائدة، وربما لا نعرف جيدا كيف ننوع في القائمة الغذائية، وضعف الثقافة الغذائية هو الذي يقودنا إلى الاهتمام بـ (الوفرة) على حساب (الجودة)، ومن هنا تبلورت الأمراض وأصبح المجتمع السعودي في قائمة المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة (السكري) لتصل ما يقارب 35 في المائة.
هذه النسبة كبيرة وخطيرة وهي المصدر الذي تتفرع منه الأمراض المزمنة، وهي مؤشر على أننا فقدنا السيطرة على ثقافة الغذاء وعلى ثقافة النشاط البدني الحركي، وهي أيضا مؤشر على مدى غياب السياسات الحكومية الفعالة للتعامل مع مشكلة رئيسة، فالإنفاق على علاج مرض السكري وما يتفرع منه من أمراض قد يستهلك الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي إذا استمر بهذه المعدلات الكبيرة.
من هذا المنطلق قد نكون أمام فرصة وطنية تدفعنا لكي نبادر إلى مواجهة الاختلال الكبير في ثقافاتنا وعاداتنا الغذائية، فنحن لا نواجه نقصا في الغذاء ومشكلتنا هي في (سوء الإدارة) الذي نتشارك فيه جميعا، على مستوى الأسرة والمجتمع وعلى مستوى الدولة وإجراءاتها وسياساتها، ومدى إدراكها القضايا الحيوية في مجتمعنا.
من الأمور الأساسية التي يفتقدها التعليم هي غياب مصادر المعرفة التي تنمي ثقافة الغذاء وتؤسس ثقافة الحركة البدنية، بل المدارس مصدر أساسي لنشر عادات الغذاء الخاطئة والضارة، والأسرة التي تحرص على إبعاد أطفالها عن (الأغذية الخاوية) الضارة تجد أن المدرسة هي مصدر الإخلال ومع تراجع وإهمال مشروع التغذية المدرسية، أصبحت المقاصف المدرسية، بالذات في المدارس الأهلية مصدر خطر على صحة الأطفال، كما أن مادة التربية البدنية المهملة تماما تؤكد أن التعليم لا يهتم بالصحة العامة، وهذه دون شك مأساة، أن يصبح التعليم مصدر الضرر في المجتمع.
الآن علينا أن نرفع شعار (صحتنا في غذائنا) وما نقصده هو أن نستثمر بشكل إيجابي ومؤثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية لنعيد ترتيب طرق الاستهلاك والإنفاق على الغذاء، وإذا كان أغلبنا لديه ما يتجاوز حاجته في الغذاء فثمة فئة من الناس لديها نقص وأغلب الدول، سواء الغنية أو الفقيرة، لديها سوء الإدارة للغذاء، العالم لا يواجه نقصا في الغذاء فالله سبحانه وتعالى خلق الناس ومعهم أرزاقهم، المشكلة هي في سوء الإدارة العالمية للغذاء.. عالم يموت من نقص الغذاء، وعالم ينفق الثروات لكي يتخلص من الأكل الزائد في جسمه، وربما بوادر الأزمة العالمية مع الغذاء ستوجد (الصدمة) والصدمات والأزمات فرصة للعلاج، وحكومات العالم أمامها فرصة لعلاج المشكلات من جذورها، أما سياسات (دعم الأسعار) فهي مسكن للألم فقط لن يدوم لأنه مكلف جدا.