ثقافة في حقوق الإنسان
الصراع بين الحق والباطل
ما زلنا مع الركب نتتبع بحرص القائد والمعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، ونقتفي أثره الطاهر فيما يقول ويفعل ليكمل - عليه السلام - ليس فقط – بناء مناسك الحج في المشاعر الحرام ليعرف حجاج بيت الله ماذا يجب أن يقولوا ويفعلوا – ولكن ليذكر المسلمين بأهم ما يجب عليهم أن يحرصوا عليه – ويتمسكوا به في أمور دينهم ودنياهم فكانت حجة الوداع أشبه ما تكون بالتدريب العملي على مناسك الحج وكل ما يجب أن يهتم به المسلم، وهكذا يتجلى لنا مقدار حماسه وجهاده في سبيل الله ومدى حرصه وشعوره - عليه السلام - بعظم الأمانة وثقل المسؤولية وهو يودع هذه الجموع الحاشدة ويلقي النظرة الأخيرة على هذه المشاعر المقدسة المترامية الأطراف بهضابها وجبالها ووديانها وعرصاتها في منى ومزدلفة وعرفات، تلك الأماكن التي شهدت الصراع بين الحق والباطل والتوحيد والشرك والبر والفجور وكانت تلك المشاعر مسرحاً لكثير من الأحداث، ففي منى اختبر الله تعالى إخلاص وطاعة إبراهيم وابنه إسماعيل عندما أقدم إبراهيم - عليه السلامة - على ذبح ابنه تقرباً وطاعة لله ففداه الله تعالى بكبش عظيم، وعندما اعترض الشيطان طريق إبراهيم في منى أيضا ليغويه فرجمه - عليه السلام - ليبعده عنه، وعندما هزم الله تعالى أصحاب الفيل وقائدهم أبرهة شر هزيمة في وادي محسر في عرفات فجعل الله كيدهم في نحورهم وأهلكهم الله فأصبحوا كعصف مأكول، وحيث قد سردنا خطبة يوم النحر في المقال السابق، فأكمل اليوم شرح هذه الخطبة:
قال عليه السلام: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض – السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)، أكد وبيّن - صلى الله عليه وسلم - استقرار الزمان وبداية التاريخ الصحيح بعد أن عبثت الجاهلية الظالمة حتى بالزمان فكان أهلها يتلاعبون بالأشهر فيحلون الحرام ويحرمون الحلال وفقا لأهوائهم ومصالحهم فيفسدون نظام العبادة وخاصة موسم الحج والأشهر الحرم التي عرفت من عهد أبيهم إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - ، وبيّن - عليه السلام - أن أيام الله تعالى هي كما كانت منذ خلق الله السموات والأرض وأن ما تغير هو أهواؤهم طلباً للحرب في أشهر السلام التي حرم الله القتال فيها أو مراعاة لجنّي الثمار أو اختيار أوقات اعتدال الجو ليكون فيه موسم الحج فيحصل الخلل والفساد فيما أتقنه الله وأجراه لصالح بني البشر، لذا فقد وجد - صلى الله عليهم وسلم - فرصة حجة الوداع ليصحح المفاهيم الظالمة الجاحدة لخلق الله ويؤكد ضرورة الالتزام بالأشهر القمرية التي فيها الأشهر الحرم وأشهر الحج ورمضان المبارك والعيدان وأوقف - عليه السلام - ما اعتاد عليه العرب في الجاهلية من التلاعب بالأزمنة حتى وصل بهم الأمر إلى أن أزالوا الحرمة عن شهر المحرم وجعلوه حلالاً ليحل لهم القتال فيه وجعلوا مكانه شهر صفر! مع أن الله تعالى قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم ....) التوبة (26).
نسأة الشهور
نسأة الشهور تعني التلاعب بالشهور بالتقديم أو التأخير كما كان يفعله الجاهليون، وقد حرم الله تعالى النسيء واعتبره - عز وجل - زيادة في الكفر فقال تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر ....) التوبة (27) وفي الحلقة القادمة (14) نكمل ما تبقى.