القروض القروض.. يا مؤسسة النقد

لقد امتنعت رئاسة الحرمين الشريفين عن تحويل مرتبات موظفيها إلى البنوك بغرض الحيلولة دون تورطهم في قروض يعجزون عن دفعها أو ينهكون في سدادها. وقد أحدث موقفها هذا أصداء متفاوتة بين معارض ومساند وآخرين بين هذا وذاك.
المعارضون استندوا إلى حجة أن ذلك حق كفله النظام الصادر عن مؤسسة النقد السعودي، القاضي بالموافقة على رهن راتب من يشاء الاقتراض لصالح البنك المقرض وفق صيغة قانونية لها نموذجها الذي يتم اعتماده من قبل إدارات شؤون الموظفين في الجهات الحكومية وتوقيع الموظف نفسه على تفويض تحويل المرتب.
المساندون رأوا في موقف رئاسة الحرمين غيرة وظيفية على منسوبيها من أن يكونوا ضحايا حاجاتهم الآنية واندفاعاتهم غير المحسوبة وعدم قدرتهم على التحوط لما يعنيه رهن المرتب من تبعات يترتب عليها قضاء سنوات طوال من العمر في سداد لشأن كان بالإمكان عدم الاندفاع خلفه مثلما حدث في الإغراء الذي شكله سوق المال للعديد ممن غررت بهم دعايات البنوك عن القروض الشخصية وحلم استعادة القرض بمثله أو أكثر فضاع وفوقه حسرة سداد دفعاته شهرا فشهرا وعاما فعام!!
أولئك الذين وقفوا في المنزلة بين المنزلتين .. قاربوا بين إيجابيات المعارضين والمساندين بالقول: إن العلة ليست في آلية تحويل المرتبات نفسها وإنما في آلية الإقراض التي تتبعها بنوكنا، فأولا هناك تعتيم وغموض في طريقة تقديم عروض الإقراض حيث لا يتم فيها "تبصير" المقترض بما سيترتب على كاهله من أموال في النهاية وإنما يتم تمرير ذلك تحت وهج إغراء الدفعات (البسيطة!!) والغمغمة (بسرعة) على كلمات (الخدمات الإدارية) وما شابهها، وثانيا، لا يقال له إن الفوائد التي سيدفعها فوائد مركبة مجحفة لا نظير لها في ثقافة الإقراض لدى بنوك العالم قاطبة، وهي من مخلفات إقراض بائد وقفت ضده التشريعات الحقوقية في مكافحة الابتزاز والاحتكار والعسف في اقتناص الفوائد والأرباح أو شروط الإقراض. وثالثا، ورغم هذه وتلك، فإن نسبة المخاطرة بالنسبة للبنوك هي (صفر) ومع ذلك (تشيط) البنوك في قصب ظهور العملاء، رغم أن البنوك أصلا تستفيد من عموم مرتبات موظفي الدولة كون شبكات رواتب الموظفين مسحوبة على هذا البنك أو ذاك!!
يحدث هذا في القروض الشخصية، ويحدث مثله في قروض بطاقات الائتمان التي تزعم البنوك أن رسوم عملياتها (بسيطة!!) فيما هي معقدة، يجد من وقعوا في شراكها أنفسهم يلهثون في سداد نسبة (2.5 في المائة) عند كل أول شهر وآخره بحسبة مركبة، مضافا إليها معزوفة رسوم (الخدمات الإدارية)، وهكذا دواليك إلى أن يحالف المرء الحظ ويدركه الخلاص؛ هذا إذا لم يكن قد وقع ضحية هاتف بنكي يغريه بتحويل كامل المبلغ في بطاقته لحسابه في الحال (دون فوائد!!) فيما منشار عمولة البنك ورسوم خدماته الإدارية له بالمرصاد!!
لذلك فما فعلته رئاسة الحرمين الشريفين هو بمثابة صافرة إنذار وصراخ بالصوت العالي، وبعبارات فصيحة على أن الناس تلاقي فعلا غبنا شنيعا من سياسة الإقراض في بنوكنا دون أن تلقي كل البنوك آذاناً صاغية لمرارة الشكوى أو أن يعضها تأنيب الضمير من أي نوع على هذا الغبن المستمرأ منذ عقود إلى يومنا الراهن. ودون أن تحرك مؤسسة النقد ساكنا أو تعد (ولو وعدا) بأنها سوف تقضي على نظام السخرة هذا.. ربما يحدث هذا لأن سمن البنوك في دقيق مؤسسة النقد، وإلا هل يعقل أن يصرخ الناس وتسد البنوك ومؤسسة النقد آذانها؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي