لمن المرجعية .. للفكر .. للرجال أم للعادات والتقاليد؟
إذا كان بالإمكان تحديد سبب رئيس واحد لأي شكل من أشكال الفوضى الاقتصادية, السياسية, الاجتماعية وحتى الأخلاقية والثقافية, فإنه بالتأكيد غياب المرجعية الواضحة والمحددة هو السبب الرئيس الذي تسبب في إشاعة كل أنواع هذه الفوضى التي عندنا اليوم. والفوضى عندما تحل في مجتمع ما فإن أبسط نتائجها هو شلل ذلك المجتمع وربما انقسامه وتشرذمه إلى فئات ومجموعات وربما يصل الأمر بهذه المجموعات إلى أن تتصارع وتتناحر فيما بينها مما يفسح المجال لانتشار الفساد والجريمة المنظمة, وربما حتى التمهيد للآخرين للدخول والتغلغل في مفاصل المجتمع والعمل على تقوية العوامل المؤججة للخلافات والصراع بين الأطراف المكونة لذلك المجتمع. وكل ما ذكر وأكثر من نتائج للفوضى نجدها اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية, بل نجدها تسربت حتى إلى حياتنا الشخصية والأسرية. فسياسيا نجد أنفسنا بلا مرجعية تحدد طبيعة حكمنا أنفسنا, فلا الديمقراطية تعجبنا ولا الشورى نأخذ بها, فالإسلاميون يريدون منا أن نحكم باسم الإسلام وآخرون يريدون منا أن نعتمد الديمقراطية وآخرون يعتقدون أننا ما زلنا مجتمعات بدائية ولا يصلح لنا إلا حكم الفرد أو الحكم الشمولي حتى يستقيم أمرنا. وحتى عندما استعرنا أسماء أردنا بها أن نجمل ممارساتنا وجدنا أنفسنا ونحن نتخلى عنها لأنها في الحقيقة لم تكن حقا تعبر عن وجود ممارسات حقيقية. وسنبقى نعيش في فوضى سياسية ما لم نحدد لنا مرجعية واحدة نأخذ بها ونشكل في ضوئها أطرنا السياسية. ولا تقل الفوضى عندنا في المجال الاقتصادي عنها في المجال السياسي, فهل نحن مع الاقتصاد الحر أم مع الاقتصاد المغلق؟وهل نريد أن نتحكم في النشاطات الاقتصادية أم نترك لها حرية الحركة تبعا لقوانين السوق؟ لا يصح أن نأخذ من هنا ومن هناك, فمرة نقول بمرجعية معينة وبعد حين نتخلى عنها من دون أن نعرف الأسباب والدوافع لهذا التنقل والتأرجح بين مرجعيتين ربما تكون متناقضتين. وعلينا ألا نستغرب عندما نصطدم بكثرة الفساد عندنا أو ازدياد البطالة بين شبابنا أو تواضع نسبة النمو الاقتصادي عندنا مقارنة بغيرنا, فوجود مرجعية اقتصادية واضحة تعني الكثير لمسيرة النشاط الاقتصادي, فوجودها يرفع الكثير من حالة التناقض والتعارض التي تنتجها لنا حالة فوضى التعدد أو غياب المرجعية الاقتصادية.
وإذا كان معظمنا يدرك أن أكثر ما نعانيه في الوقت الحاضر هو هذه الفوضى السياسية والاقتصادية التي جعلت منا نحن الشعوب العربية والإسلامية في ذيل قائمة دول العالم في الإنتاج العلمي والاقتصادي ونتصدر قائمة الدول الأكثر تخلفا وفقرا وفسادا وأمية وانقساما, فإن القليل منا من يلتفت إلى ما نعيشه من فوضى اجتماعية وأخلاقية وثقافية وكيف أن هذه الفوضى المعنوية هي السبب في تأخرنا الحضاري. فالقيم والأخلاق هي المفاصل التي يتحرك بها المجتمع تقدما أو تأخرا, وعندما يعتري الضعف هذه المفاصل بسبب القيم التي نتبناها إما لتزاحمها لأنها تعود إلى مرجعيات متعددة وإما لأننا عندنا من القيم الجيدة ولكنها غائبة بالمرة لأننا لم نستثرها لتتحرك في حياتنا وثقافتنا, وقد نكون أغفلنا وجودها في حياتنا, فالحراك الاجتماعي والثقافي الذي لا تضبط إيقاعه مرجعيات يسلم بها المجتمع فإنه يتحول إلى حراك بلا بركة وحركة بلا هدف ونشاط بلا توازن, وهذا كله يؤدي بالمجتمع إلى أن يعيش مع مشكلاته من دون استطاعة حلها, ويجعله بلا مواقف حاسمة أمام القضايا والخيارات التي من الممكن أن تحدد مساره في المستقبل. والنتيجة ستكون في تحول المشكلات الصغيرة إلى مشكلات أكبر, والمشكلات الكبيرة بدورها تتحول إلى أزمات تتعاقب الأجيال عليها من دون أن تقدر على حلها. وعندما يفتقد المجتمع الأرضية التي يقف عليها التي تقوم بها مرجعيات واضحة فإن التردد وعدم الحسم يشجع الجميع على تحديد مواقفه استنادا إلى دوافع ذاتية أو مصالح شخصية أو اجتهادات ضيقة وليس فيها أي اعتبار لمصلحة المجتمع.
لا شك أن خسارتنا ستكون كبيرة إذا ما استمر حالنا على ما هو, ليس لكوننا فقط نعيش في فوضى لا خلاقة بسبب ما نفتقده من توافق وتلاق على مرجعيات محددة, بل أيضا وهذا جانب في غاية الخطورة إننا لم نعد نعر اهتماما للأفكار والقيم باعتبارها المرجع الذي يجب أن نعود إليه, فصرنا نعيش غربة فكرية وقيمية أدت بنا إلى نسلم أمرنا ونضع زمام التصرف في أمورنا في يد رجال يختصرون وجودنا إما وفق اجتهاداتهم الشخصية وإما حسب ما تمليه عليهم العادات والتقاليد.
وفي هذا الإطار ليس عندنا قضية أشد التباسا من قضية المرأة, فحقوق المرأة وشؤونها وقضاياها تتقاسمها مرجعيات عديدة ومتباينة فيما بينها, والبعض منها متناقض حتى مع الأسس والرؤية التي تأخذ بها هذه المرجعيات. ومما يزيد الطين بلة أن بعض هذه المرجعيات تتداخل فيما بينها وعندها لا ندري إلى ماذا يستند هذا الرأي أو هذا الاجتهاد بخصوص شأن من شؤونها أو حق من حقوقها. فموضوع سياقة المرأة السيارة, هل نفتي بجوازها أو منعها على أسس دينية لأن في عملها هذا ما قد يعرضها إلى ارتكاب ما لا يجوز وقوعه منها, أو أن الأمر لا يتعدى مسألة قبول المجتمع هذا الأمر, وبالتالي فإن حسم هذا الأمر مرهون بتطور تقاليدنا وعادات مجتمعنا. ونجد أن هناك صعوبة وتكلفا في إيجاد الدليل القوي والمقنع عند من يرفضون الأمر على أسس دينية لأنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاستنجاد بقاعدة دفع المفاسد لـتأكيد مواقفهم والتعبير عن قناعاتهم بهذه المسألة, خصوصا عندما يقال لهم إن مجتمعنا هو ربما المجتمع الوحيد الذي ينفرد بعدم الحسم في هذه المسألة وكأن المسالة أصبحت جزءا من خصوصيته التي نريد أو نصر عاطفيا أن ينفرد بها عن غيره من المجتمعات, وبالتالي فهي من الأمور التي من غير المسموح التخلي عنها. ويزداد الموضوع التباسا علينا عندما نريد أن نبرر هذا المنع بالعادات والتقاليد التي يأخذ بها المجتمع, فنقول إن المجتمع هو الذي يرفض للمرأة السياقة لأن في ذلك خروجا عن التقاليد الاجتماعية, التي هي في الأساس تقاليد قبلية, ولكن يفاجئنا البدو والقبائل الرحل بعدم تمسكهم بما يراد لنا أن نتمسك به نحن أهل المدن. هذه الحيرة في المسألة, وهذا الأخذ والرد المتشنج حول الموضوع مرده كله إلى غياب مرجعية متفق عليها, وعندما نتفق على مثل هذه المرجعية فسنجد أن نقاشاتنا سرعان ما تنتهي إلى رأي حاسم بخصوص هذه المسألة. والأجواء نفسها نجدها عندما نريد أن نقترب من قضية أخرى من قضايا المرأة عندنا ألا وهي قضية عمل المرأة, حالة ما بين القبول والرفض والرضا والممانعة وضعت المرأة في موقف صعب حتى أن هذا أثر في خياراتها التعليمية, وجعلنا لا ندري إذا كانت نسبة البطالة بين الإناث, وهي اليوم تتجاوز 20 في المائة حسبما ذكرته بعض التصريحات الرسمية, هل هي نسب مقبولة أو أنها نسب مرتفعة؟ في ضوء ماذا نحدد موقفنا من عمل المرأة؟ وكيف لنا أن نحدد المجالات التي بإمكانها الدخول في غمارها؟ ووفق أي مرجعية نحدد معالم الأنظمة والقوانين التي تشكل بيئة العمل التي يراد للمرأة أن تعمل فيها؟ فالمرأة عندنا تجد نفسها مرتبكة, فهي عندما تريد أن تشخص حالتها في موقف معين تجد نفسها محكومة بإطار من العادات والتقاليد, ولكن في الإمكان التعامل مع هذه العادات إذا ما تفهمنا الأمر, ولكن ما يجعل الأمر معقدا لها وصعبا عليها هو عندما نريد أن نستبدل إطار العادات والتقاليد بإطار ديني, ما يجعل تجاوز الأمر بمثابة إخلال بالثوابت واختراق للمقدسات.
وإذا كانت هذه الأمور وغيرها مهمة عندنا وهناك حاجة شديدة إلى التعامل معها في إطار مرجعيات واضحة ومحددة, فإن الأمر يزداد أهمية وتصبح الحاجة إلى وجود المرجعية أكثر إلحاحا بل تصبح مسألة المرجعية الحلقة الأهم التي يجب أن تحظى بأبعد مدى من اهتمامنا وتعطى لها الأولوية في حوارنا مع بعضنا, وهذه القضية هي مسألة الانتماء الوطني. فصحيح أننا مجتمع قبلي متعدد المذاهب, وأن المملكة مترامية الأطراف, ما ينتج لنا تنوعا ثقافيا وتمايزا في العادات والتقاليد, ولكن كل هذا يجب أن ينصهر في البوتقة الوطنية, وأن تكون المواطنة الإطار الذي يجمعنا جميعا. فنحن اليوم نعيش في منطقة يعبث بها طائفيا ومذهبيا وعرقيا وقبليا ومناطقيا وعلينا أن نكون حذرين من هبوب مثل هذه الرياح علينا وليس عندنا من حصن نتحصن به في وجه من لا يريد الخير لنا أقوى وأمنع من الانتماء الوطني. وكلما استطعنا أن نعزز الشعور بالانتماء الوطني عند كل فرد منا ومن أبنائنا وبناتنا فإننا بهذه المرجعية سنزيد من تلاحمنا وستزداد ممانعتنا قوة ضد أي اختراق لسلامتنا الوطنية من أي طرف قد يفكر في ذلك. هذا التوافق المطلوب على المرجعية الوطنية يجعلنا نقف في وجه كل الدعاوى التي قد تطلق تحت أسماء متعددة ولكنها في النهاية دعاوى لا تصب في مصلحة تعزيز وحدتنا وتقوية انتمائنا الوطني.
قد يفترض البعض أن الحديث عن أهمية وجود مرجعيات محددة تحدد مسار تعاطينا مع قضايانا المختلفة هو من باب الانزلاق في التنظير الفكري المبالغ فيه, ولكن الحقيقة والواقع يؤكدان لنا أن التمسك بمرجعية معينة عند مناقشة أي موضوع هو الذي يحفظنا من الوقوع في الفوضى وهو الذي يمهد لنا طريق الوصول إلى مواقف إيجابية تعيننا على مواجهة مشكلاتنا وتفكيك أزماتنا مع انسجام أكبر وبتوافق وتقارب أفضل.