لماذا لبنان .. ولماذا فشلت القمة ونجحت إيران؟

[email protected]

عندما قررت المملكة خفض مستوى مشاركتها في القمة العربية كان هذا موقفا صريحا من القمة وهو ما شرحه الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية في مؤتمره الصحافي أمس الأول، ولكن موقف من ماذا؟
إنه موقف من عدم التزام سورية بتنفيذ المبادرة العربية التي تم الاتفاق عليها لإنهاء الوضع المتأزم في لبنان، ولكن .. لماذا لبنان؟ .. لماذا السعودية ومعها مصر بالذات يتخذان هذا الموقف الصارم تجاه لبنان، والبلدان أبعد ما يكونان مستفيدين من لبنان، لا سياسيا ولا اقتصاديا، فلا اعتبارات الجغرافيا ولا مصالح خاصة تدفع البلدين لهذا الموقف المكلف سياسيا والمتعب والمرهق دبلوماسيا.
الأمير سعود الفيصل، وهو يترجم الموقف السعودي شرح هذا الموقف بكل وضوح وصراحة، والأمير سعود معروف بأمرين، عندما يتحدث فإنه يكون صريحا مباشرا، أو يصمت، فلا مجال لأن يقول كلاما لا يلتزم به أو يؤخذ عليه. الأمير سعود يرى أن السعودية لها (اهتمام) في لبنان، وليس لها (أطماع) أو (أهداف). كل ما تريده هو أن يكون لبنان بلدا مستقرا مستقلا ليقدم بذلك (المثال) العملي الواقعي على أن العالم العربي، كما كان تاريخه الطويل، محيطا تتعايش فيه الأقليات، فهي جزء منه ومن واقعه وتاريخه، ولبنان أفضل مثال حي يجب أن نحافظ عليه حتى يكون هو النموذج الإيجابي الذي نقدمه للعالم.
وبالإضافة إلى الأبعاد الإنسانية والأخلاقية لبقاء لبنان بلدا موحدا مستقلا، ثمة أبعاد سياسية دولية يراها الأمير سعود، وهي ضرورية لدعم الموقف العربي والإسلامي تجاه القضية الفلسطينية.
لقد ادعت إسرائيل منذ قيامها أنها تعيش في عالم لديه مشكلة حضارية وأخلاقية .. فالعالم العربي يرفض وينبذ الأقليات ولا يقبلها كجزء منه، وهذا الادعاء الإسرائيلي هو وقودها الذي عاشت عليه وساعدها على استقطاب العطف الغربي، بل والعالمي، وكان حاسما في دعمها ماديا وعسكريا ومعنويا.
والأمير سعود يرى أن هذا رأي عربي صادق يلقى إجماع في الدول العربية التي تعيش في أقليات، لذا أغلب الدول العربية وفي مقدمتها السعودية كانت ترى أن الدول العربية، وعبر الجامعة، كان أمامها فرصة تاريخية لإيجاد حل دائم لمشكلة لبنان.
إن المشكلة اللبنانية هي في الدرجة الأولى مشكلة عربية والأطراف المؤثرة فيها بقوة هي الدول العربية، والتدخل الإيراني القوي في الشأن اللبناني تم بموافقة سورية وحزب الله في لبنان، وهذا بعكس القضية الفلسطينية المعقدة والمتداخلة مع مصالح قوى عظمى. لذا كانت القمة العربية في دمشق فرصة تاريخية للعالم العربي ولسورية بالذات لأن يتم إنهاء الوضع في لبنان، فسورية هي الطرف الرئيسي المؤثر في الوضع اللبناني وهي المستفيد الأكبر من الاستقرار في لبنان، وسورية بحكم أهميتها ومكانتها في العالم العربي ستجد كل الدعم العربي الذي يساعدها على استقرار لبنان وعدم العبث به.
السعودية كانت تتطلع إلى أن تكون القمة البداية الجادة لإنهاء الأزمة في لبنان، والوصول إلى هذا سوف يعزز ويقوي مكانة (جامعة الدول العربية) كمؤسسة ضرورية لبلورة الإجماع العربي، ويعطيها الفرصة لأن تعمل على حل (مشكلة عربية) في إطار عربي دون تدخلات أجنبية، وهذا سيقدم النموذج العملي الذي يصب في إطار تقوية الجامعة العربية بصفتها مؤسسة يشكل وجودها ضرورة للأمن القومي العربي، وهذا الموقف السعودي من الجامعة العربية وجهودها سيبقى من الأسس الثابتة التي يجب أن نعمل عليها حتى تحترمنا وتقدرنا الأجيال القادمة، فإذا نحن في العقود الماضية ظللنا نعمل على تكريس صورة سلبية عن الجامعة، فالأولى الآن أن نحترم ذاتنا ونحترم صورتنا ومكانتنا أمام العالم، والجامعة العربية هي النموذج وهي المثال، وكنا نأمل أن تكون قمة دمشق على مستوى التطلعات وعلى مستوى الأهداف، ولكنها قدمت، مع الأسف، درسا عمليا على خطورة (الاختراق الإيراني) لقضايا العالم العربي، إيران بعثرت الأوراق في العراق وهي الآن تنجح في (لعب) الورقة السورية في أهم تجمع عربي. الوضع خطير فعلا، فقد فشلت القمة ونجحت إيران!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي