دور البيوت الجداوية.. في بناء اقتصاديات الوطن!

[email protected]

يشـتغل أهالي مدينة جدة بالتجارة منذ نعومة أظفارهم، وتقع مدينة جدة فوق براطم بحر القلزم أو البحر الأحمر، ولأنها ــ على مدى التاريخ ــ ارتبطت بالبحر، فإن أهلها ارتبطوا بالتجارة وامتهنوا كل فنون التجارة ابتداء من الصيد وحتى كل فنون التكنولوجيا الحديثة، وفي رحلاتهم التجارية الطويلة امتهن أهالي جدة تجارة الجملة وتجارة التجزئة وتجارة القطاعي، وكان أهالي جدة من فرط حبهم وولعهم بالبحر والتجارة يســتخدمون مصطلح (التجارة) كمرادف للبيوت الكبيرة والعريقة التي نشــأت في قاع المدينة على مر التاريخ، فيقولون بيت جميل أو بيت السعدي أو بيت الشربتلي أو بيت زينل أو بيت الزاهد أو بيت الجمجوم أو بيت ابن محفوظ أو بيت باعشن أو بيت باناجة أو بيت البترجي أو بيت أبوداود.
والمقصود هنا ليس الجانب الاجتماعي في هذه البيوت، بل المقصود هو الجانب التجاري والاقتصادي، بمعنى إذا ذكر بيت جميل فإن المقصود دور بيت جميل التجاري في بناء الاقتصاد الجداوي، وكذلك بيت زينل وبيت الجمجوم وبيت ابن محفوظ وبيت باعشن وبيت ابن زقر وبيت أبوداود وبيت حسين علي رضا وبيت الفتيحي.
ولو لم تكن هذه البيوت ذات باع تجاري كبير لما اســتحقت لقب بيت فلان وبيت علان، وهكذا رســخت هذه الأســماء اسمها التجاري في التاريخ الاقتصادي الحديث لهذه المدينة الاقتصادية الجاذبة للمال والأعمال.
ونســتطيع القول إن بيوت جدة التي أصــبحت تســمى ــ بلغة الفقه الاقتصادي المعاصر ــ بالشــركات العائلية.. لعبت دورا كبيرا في بناء اقتصاديات جدة منذ فجر تاريخها الحديث الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ الدولة السعودية الحديثة التي أسسها الملك عبد العزيز يرحمه الله. ولا شـك أن طبيعة المجتمع السعودي هي طبيعة تكافلية، ولذلك فإن الشركات العائلية تمثل أهم القطاعات المكونة للاقتصاد الوطني، وتصل نســبة الشـركات العائلية إلى الشركات الســعودية إلى أكثر من 90 في المائة.
ومنذ أن وقع الملك عبد العزيز اتفاقية جدة في عام 1926 (1345هـ) بدأ, يرحمه الله, رحلة بناء مدينة البيوت التجارية فأنشــأ أول ما أنشــأ ميناء جدة الإسلامي، ثم أمر بتشكيل أول غرفة تجارية صناعية، ثم بنى في جدة المؤسسات الإدارية والتعليمية اللازمة للنهوض باقتصاديات مدينة جدة، ومن ناحيتها لعبت البيوت التجارية دورا كبيرا في تطوير هياكلها، وكانت تاج الاقتصاد السعودي المتنامي وتميزت البيوت التجارية في جدة بدفع العمل التجاري بقوة إلى الأمام.
وإذا كان دور البيوت التجارية في جدة كبيرا في بناء الاقتصاد السعودي في بداياته الأولى.. إلاَ أن بعض البيوت تميزت بأعمالها الخيرية والتطوعية والاجتماعية إلى جانب إنجازاتها على صعيد المســاهمة في بناء الاقتصاد الوطني، والدولة من جهتها دعمت البيوت التجارية الوطنية وشجعتها على المضي قدما في دعم وشــائج الرحمة والمحبة بين ربوع جميع فئات الشـعب السـعودي الوفي. وإمعانا في ذلك كرم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الشهر الماضي الأخ والصديق المهندس محمد عبد اللطيف جميل ومنحه وســام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى وهنأه على إنجازاته في مجالات التنمية والخير والإحسـان، ولا شـك أن تكريم محمد عبد اللطيف جميل هو تكريم لشـقيقه الوجيه يوسـف عبد اللطيف جميل وتكريم لشـقيقاته الشريكات في الشركة القابضة الأم، وكذلك هو تكريم لكافة العاملين في الشركة الذين قدموا الجهد تلو الجهد لتحقيق النجاح في كل الأصعدة.
وإذا كنا نتحدث عن بيت واحد من بيوت جدة ــ على سبيل المثال ــ فإن هذا البيت نموذج للحديث عن كل البيوت التجارية في مدينة جدة التي أسهمت في بناء اقتصاديات جدة، وأسهمت مع غيرها من البيوت التجارية المنتشرة في كل أنحاء المملكة في بناء الاقتصاد الوطني.
والحقيقة أن بيت جميل السعدي من البيوت الجداوية العريقة التي تشكل في خارطة المجتمع الجداوي بعدا ثقافيا وتجاريا وإداريا عميقا، ويتمتع شــبابه بمهارة التجار وفطنة الصناع وذكاء المثقفين، فقد كان الجد الأول محمد السعدي منذ بداية القرن الـ 20 قاضي القضاة في مدينة جدة، كما أن ابنه حسين كان يشغل منصب باش كاتب الجمارك وهي المقابل لوظيفة مدير عام الجمارك، وأبناء العم حسين هم عبد الله وعبد العزيز وعبد اللطيف جميل، وعبد اللطيف جميل هو الذي انتقل بالعائلة من السلك الحكومي إلى القطاع الخاص، ويقول ابنه محمد عبد اللطيف جميل إن الوالد كان يعشــق العمل التجاري، وحينما ســألناه لماذا عملت في الجمارك قال لنا: كان همي الأكبر أن أقف على أســرار التجار، وفعلا اســتفدت كثيرا من عملي المبكر في الجمارك، حيث تعرفت على الكثير من أسرار العمل التجاري، وهكذا بدأ عبد اللطيف جميل مراحله الأولى في عالم التجارة والصناعة التي توجها بتجارة قطع الغيار، ثم قفز عبد اللطيف جميل إلى التصنيع وأنشــأ ثلاثة مصانع وهي مصنع السُست ومصنع الطوب ومصنع الجلود.
ولكن التحول التاريخي في مســيرة عبد اللطيف جميل ــ كرمز تجاري من رموز التجار والاقتصاديين السعوديين ــ جاء متزامنا مع المقاطعة التي أقرتها الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية لجميع السلع البريطانية ردا على العدوان الثلاثي (الإسرائيلي والفرنسي والبريطاني) الذي شــنته هذه الدول في عام 1956على مصر، وكانت السيارات البريطانية والفرنسية في مقدمة السلع التي تم حظر استيرادها، وهكذا أتيحت الفرصة أمام التاجر الذكي عبد اللطيف جميل ليقوم باغتنامها ويصبح أكبر وكيل في العالم لسيارات تويوتا، واســتطاع عبد اللطيف جميل بفكره الإداري المســتنير أن ينشر بين الناس ثقافة المركبات الأرضية ذات الأبعاد الاقتصادية والحضارية المفيدة فأقبل الناس على الوكيل عبد اللطيف جميل وزاد الطلب حتى أصبح أكبر وكيل تجاري في العالم.
والخلاصة أن مثل بيت عبد اللطيف جميل كثيرون أســهموا في إضافة لبنة إلى صرح الاقتصاد الوطني مما يؤكد أن البيوت التجارية في جدة لعبت دورا مهما في تطور الفكر التجاري ودعم الاقتصاد الوطني وانطلقت من رؤية عصرية مســتنيرة جعلتها جزءا لا يتجزأ من منظومة الاقتصاد الوطني الذي يعد الآن من أكبر وأقوى الاقتصادات في منطقة من أهم المناطق في العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي