سهم "أنعام": مَن الذي أخطأ وإلى أين المصير؟

[email protected]

هل هناك فرق كبير بين أن تعلن الشركة إفلاسها وبين انهيار سعر سهمها حتى لا نجد من يشتريه؟ مع بداية اندلاع فضيحة "إنرون" كان سعر سهمها يقترب من 90 دولارا ثم هوت حتى 90 سنتا لتعلن الإفلاس. إن انهيار سعر أي سهم هو انعكاس طبيعي وحتمي لتدهور حالة الشركة وقيم أصولها وقدرة هذه الأصول على خلق النقد. لكن دخول سهم "أنعام" في حالة غيبوبة كاملة وصل معها عدد كبير من مساهمي الشركة إلى حد الإفلاس, هي حالة مختلفة وخاصة جدا. ولو أن هناك إشهارا لإفلاس الأفراد لحجز معظم مساهمي "أنعام" مكانا في ذلك الإعلان. إن ما حدث ويحدث لهذه الشركة وسهمها على وجه الخصوص هو نتيجة لمجموعة كبيرة من الأخطاء من الصعب تحميل وزرها إلى شخص أو جهة بعينها.
إن قصة شركة أنعام القابضة (مواشي مكيرش سابقا) تشبه قصة مسلسل مكسيكي لا تعرف متى بدأ ولا متى سينتهي، لكنها قصة مؤلمة على أية حال. منذ أن كانت الشركة مدرجة في السوق السعودية تحت اسم "شركة المواشي" وهي تعاني مشكلات وصعوبات مالية ولا أحد يعرف بالضبط – بخلاف إدارة الشركة طبعا - ما مصدر تلك المشكلات على الرغم من أن الشركات المنافسة ذات المسؤولية المحدودة تحقق نجاحات في تلك الصناعة. لحل هذه القضية اتجهت شركة المواشي للاندماج مع شركة المكيرش لتظهر لنا شركة مقلقة وقلقة هي شركة مواشي مكيرش تعاني صعوبات كبيرة وقضايا أكثر إشكالية ومع العالم بأسره. وفي المقابل – وبشكل مفارق - هي السهم المفضل لدى كل المضاربين وسهم المضاربة الأول الذي لا يعلى عليه وأحيانا سهم التدريب (تدرب على مواشي) وذلك للنشاط الدائم لسهم هذه الشركة. خلال تلك الرحلة كان هناك سؤال يستحق الإجابة عنه، من المسؤول ومن نحاسب؟ لقد كانت ومازالت مجالس إدارات الشركات السعودية تعمل بعيدا عن أعين الرقابة وعن المساءلة الحقيقية. لم نسمع, وأعتقد أننا لن نسمع في القريب عن محاكمة مجلس إدارة مهما تعرض المساهمون للخسائر أو أموالهم للفناء. في تجربة شركة بيشة تخسر الشركة ويعلق السهم والعجب أن مجلس الإدارة هو الذي يقاضي الجميع. في نهاية كل عام وفي جميع الشركات يقوم عدد محدود من المساهمين بإبراء ذمة مجلس الإدارة لتبقى كل الأسئلة في ملفاتها مغلقة إلى الأبد.

ظهرت السوق المالية السعودية وظهرت هيئة السوق المالية, وأعتقد أنها كانت تحمل في حقائبها ملف السمعة السيئة لسهم "مواشي مكيرش". عانت السوق وهيئتها من المضاربين خلال ثلاثة أعوام، ابتعدت أسعار الأسهم كثيرا عن قيمها الحقيقية وتضخمت الأصول بشكل خطير, الأمر الذي كان ينبئ بالكارثة، وفعلا انهارت السوق. بحث الجميع عمن يتحمل المسؤولية وكانت الهيئة كبش الفداء ووجهت إليها مسؤولية كل النتائج الكارثية لأنها سمحت بالأسعار أن ترتفع إلى هذا الحد الجنوني. لذلك بدت الهيئة اليوم أكثر حساسية تجاه المضاربين وتبدي تخوفها الشديد منهم وتعدهم مشكلة السوق الرئيسة. لكن لم تكن في يدها طريقة صارمة لإيقاف المضاربات على أي سهم لأن للسوق الحرية في الشراء والبيع بالسعر الذي تقرره, ولم يكن لدى الهيئة أي رغبة في التفريط في المنجزات التي حققتها, خاصة في التقاص. مع ظهور هيئة السوق المالية، كانت سمعة شركة "مواشي مكيرش" سيئة كقاعدة لتجمع المضاربين أو كسهم تصدير المضاربة ورسخت تلك السمعة السيئة عندما قفز سعر السهم في غضون أيام من 60 ريالا حتى 300 ريال لينهار وتنهار معه السوق المالية بكاملها.
لذلك عندما وصلت خسائر شركة أنعام القابضة إلى مستوى جرس الإنذار (خسائر بلغت 95 في المائة من رأس المال) علقت هيئة السوق التداول على سهم الشركة، فهل كانت تطبق نظاما في ذلك، ردة فعل تجاه السمعة السيئة؟ الحقيقة أنه لم يكن لهيئة السوق الحق في منع التداول إلا من خلال استنادها إلى المادة 21 من قواعد التسجيل والإدراج التي تنص على حق الهيئة تعليق التداول إذا رأت في ذلك حماية للمستثمرين. فهل تمت حماية المستثمرين بعد بكل الإجراءات التي اتخذتها الهيئة حتى الآن؟ ألا توجد أسهم كثيرة أخرى تستحق الإيقاف بالمنطق نفسه؟ ثم عندما بدأت الأخبار تتسرب عن نية الهيئة تعليق التداول على بعض الأسهم كان سهم "أنعام" يتذبذب حول 40 ريالا ثم بدأ مسلسل الهبوط حتى تم تعليقه عند 16 ريالا، فهل كان لتسريب المعلومات أثر في هذا التراجع؟ أن تطلب الهيئة وتحارب الاتجار بالمعلومات الداخلية وتنص على ذلك أنظمتها ثم تتسرب المعلومات من تحت بساطها فإنه لنا الحق أن نسأل مَن المخطئ؟ ويكفي الهيئة أن تراجع منتديات الإنترنت في الفترة التي سبقت الإيقاف لترى إلى أي درجة كان الخبر متسربا. فهل حمت الهيئة المستثمرين فعلا؟ ثم عندما أعادت السهم للتداول بعد تخفيض رأس المال، لم تبرر لنا الهيئة لماذا كان علينا أن نتداوله خارج وقت السوق وليومين فقط؟ فهل تمت حماية المستثمرين بهذا الإجراء أيضا؟ إنني أسأل هذه الأسئلة ليس للنقد ولكن لتخضع تجربة "أنعام" لتقييم كامل وحقيقي، ليس للمحاسبة بل للمعرفة والخبرة الضرورية.

عندما كانت السوق تتداول سعر السهم عند 40 ريالا فإن علينا كمتخصصين – وإن خالفنا ظاهر الأمر – أن نعتقد أن السوق قادرة على تقييم السهم بطريقة صحيحة، وحتى إن تم تداوله بأكثر من ذلك فإننا نتوقع ونعلن أن السوق ستصحح السعر قريبا. لماذا لم تبن قرارات الهيئة على ذلك؟ لماذا لم تتوقع أن السوق ستصحح السهم قبل التعليق؟ ثم بعد أن قامت الشركة بتخفيض رأس المال فإن السعر الذي قررته السوق قبل التعليق هو نفسه الذي سيكون بعد رفع التعليق (16 = 181) وذلك بعد تعديل عدد الأسهم. لذلك عندما عاد السهم للتداول لماذا لم نترك للسوق حرية تداول السهم في الوقت والطريقة والسعر التي ترغبها وكما تركنا لها الحرية قبل التعليق؟ لماذا تظهر السوق سوقا حرة على بعض الأسهم وموجهة على البعض الآخر؟ يبدو أن القرار بتداول السهم خارج أوقات التداول تأثر بخبرة الهيئة عن سهم "أنعام" وتاريخه السيئ مع المضاربين.
ليس الهيئة فقط من يتحمل وزر ما حدث للسهم وما سيحدث له، فصغار المضاربين عليهم الوزر الأكبر. لست في هذا أتقرب للهيئة أو ألطف لها عبارتي لكن الحق أحق أن يتبع. عندما اشترى صغار المساهمين سهم "أنعام" لم يقدهم في ذلك إيمانهم بقدرة مجلس الإدارة الجديد على تحويل الشركة إلى عالم استثماري حقيقي، بل خبرتهم في السهم وتذبذبه العالي. لذلك عندما تم تحديد سعر السهم بقيمة 181 ريالا وتخفيض عدد الأسهم نظرا لتخفيض رأس المال اتجه الجميع نحو البيع فقط، بل أعتقد البعض أن السهم حقق ربحا لهم سعوا لجنيه (ومنهم من سألني عن ذلك مباشرة). لذلك أعتقد أن السهم سيستمر في الهبوط حتى يعرف الصغار أنهم قد خسروا ولن يفيدهم البيع في شيء، بل الأمل في الإدارة الجديدة وتعديل وضع الشركة الاستثماري.
وهكذا يظهر أن سمعة السهم وماضيه أثرا بشكل كبير في قرارات الجهات المختلفة واللاعبين الأساسيين في السوق، وبقي أن أقول إنه لمعرفة المستقبل فإننا دائما نستقرئ الماضي على أساس أن ما حدث في الماضي سيكرر حدوثه في المستقبل. لكننا ننسى دائما أن ماضي مستقبلنا هو حاضرنا اليوم، لكن ومع الأسف عندما نتخذ قراراتنا التي تحكم مستقبلنا فإننا ننسى الحاضر تماما.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي