صحف المستقبل

[email protected]

تعلقت عيون ملايين المشاهدين بشاشاتهم قبل أسبوعين حين أصاب عطل العجلات الأمامية لإحدى الطائرات التابعة للخطوط الأمريكية وعلى متنها 130 راكباً، ولم يسمح لها بالهبوط في مطار شيكاغو، وأعيدت إلى ميامي. وظلت الشاشات تتنقل بين التحليل الفني واستعراض أشهر حوادث الطيران المشابهة، وقلوب المشاهدين بين رجاء السلامة للطائرة ووجل الترقب لمأساة وشيكة. واستمرت هذه الدراما قرابة ساعتين حتى هبطت بسلام في مطار ميامي الدولي.
تذكرني هذه القصة بقصص مشابهة أخرى حين يتعلق المشاهدون بتطور أحداث متلفزة حتى يشهدون كامل تطور القصة، مثل مطاردة أو جي سمبسون، واختطاف بعض الطائرات، وحوادث اختطاف الرهائن، وغيرها.
تنقلنا مثل هذه الوقائع لعالم إخباري جديد يتابع فيه المتلقي الخبر قبل أن يصبح خبراً، متجاوزاً بذلك وكالات الأنباء والطرق التقليدية لرواية الوقائع الإخبارية. ولعلنا نتذكر نقل قناة سي إن إن وقائع حرب الخليج الثانية حين كانت تغطي بعض الأحداث حية على الهواء، وخاصة ضرب بغداد. وإن كان نقل وقائع الحروب أكثر تعقيداً لكون المشاهد لا يعي في الحقيقة ما يشاهده، فيحتاج إلى تعليق محللين سياسيين أو عسكريين، أو فنيين مما يجعل هذا السرد أكثر عرضة للذاتية منه للموضوعية، فيتم تحوير الهدف الرئيسي من النقل المباشر. ولكن في حالة الوقائع الصغيرة، مثل حادثة طائرة الخطوط الأمريكية، فإن التحليل والتعليق لا يضيف كثيراً لما يراه المشاهد، ولا يعدو سوى أن يكون تسلية له (على شكل معلومات) حتى موعد هبوط الطائرة، أو سقوطها.
ولعل هذا الانتصار يصاحبه انحسار في خدمة الصحافة التقليدية لقطاع الأخبار ومتابعة تحولات العالم وأحداثه. فالصحيفة التي ما زالت تقدم الأخبار هي في ظني صحيفة ما زالت تعيش في عالم اندثر. يجب على الصحيفة التي تروم الدخول في المنافسة أن تتبنى آلية جديدة للتفاعل مع قارئ أكثر تعقيداً من قارئ الأمس، فهو لا يشتري الجريدة ليتابع الأخبار، بل ليعرف من الأخبار ما لم تنقله الجريدة بعد (أحداث الليلة الفائتة المتأخرة، وأحداث الصباح الباكر). لذلك فالتركيز يجب أن يكون على التحليل والربط، والرسومات البيانية التوضيحية، والخلفيات العامة للموضوع وتراكماته التاريخية، وتنبئوات مبنية على أسس فنية صحيحة لما ستؤول إليه الأحداث. إضافة إلى عرض الآراء المتنوعة حول هذا الحدث وطريقة قراءتها. فقط في هذه الحالة ستصبح الجريدة متابعة لما يريده القارئ، بدلا من أن تقدم خبرا تزعم أن القارئ غير مطلع عليه.
وتفتح المنافسة باباً آخر في العالم الافتراضي، حين أنشأت أغلب الصحف مواقع لها على الإنترنت، ولكن هذه المواقع تقدم إضافة لأخبار ونصوص النسخة الورقية خدمات أخرى مثل إمكانية التعليق على الأخبار والمقالات، وإمكانية الرجوع للأعداد الماضية والمقالات السابقة لمؤلف معين، ووجود روابط لمواقع أخرى ذات علاقة بالخبر داخل موقع الصحيفة أو خارجه، والاستبانات، وشريط آخر الأخبار, وغير ذلك. ويتيح الموقع الجيد متابعة كثيفة من الزوار، وهذه المتابعة والدخول المستمر تتم ترجمته من خلال عدد معين من النقرات التي كلما زادت زاد عدد المعلنين في الموقع، فتغطي الصحيفة الخسائر التي تنتج عن تحول القراء من الصحيفة الورقية إلى الصحيفة الإلكترونية.
إن الصحف التي نقلت خبر حادثة الطائرة الأمريكية كما شاهده الناس تغامر بشكل كبير في تكرار ما يعرفه القارئ سلفاً، وتفوت على نفسها فرصة ذهبية لاستغلال الذيوع السريع لهذه القصة في جذب مزيد من القراء للصحيفة بتقديم تحليل ورسوم بيانية لهذه الحادثة وأحداث مشابهة، وقراءات في الحدث، وغير ذلك.
لكي تراهن الصحيفة على مستقبل ناجح، أو لتحافظ على مستوى النجاح الذي حصلت عليه، فإنه يجب عليها أن تراهن على مشاهد القنوات الفضائية المتابع للأخبار، أي من يشتري الصحيفة وهو يعرف سلفاً أخبار الصفحتين الأوليين، ويطمع في معرفة المزيد أو استثمار هذه المعرفة في مجالات أخرى (تأثير الخبر في الجوانب الثقافية، والاقتصادية، والرياضية، والفنية، والتقنية، وغيرها. وهذا ما لا يمكن أن تخبره به القنوات الفضائية، بل الصحف العريقة ذات البعد الإعلامي الصحيح والحديث.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي