الرياض .. عرفت الحراك الثقافي في وقت مبكر
مخطئ مَن يظن أن الحراك الثقافي الذي عاشته مدينة الرياض خلال هذا الأسبوع يعد جديدا عليها .. فمع أهمية مهرجان الجنادرية ومعرض الرياض للكتاب فإن الرياض قد عاشت قبل نحو 40 عاما حراكا ثقافيا نشطا بمقاييس ذلك الزمان .. حيث وجد أكثر من موقع يضج بالنشاط الثقافي ولاسيما في نهاية الأسبوع .. ولعلي في تلك العجالة أذكر بعض هذه الأماكن .. وأسماء مرتاديها من الأدباء الشباب الذين أصبحوا شيبا أو فلنقل كهولا في الوقت الحاضر .. وليعذرني من لم أذكر اسمه فالعتب على الذاكرة.
وأول المواقع الثقافية في الرياض آنذاك مطابع الرياض في حي المرقب التي كان الزملاء يشدون الرحال إليها من مختلف أنحاء العاصمة .. بعضهم راكبا وبعضهم راجلا .. وبعد انتهاء تعب وعنت إعداد صحفهم التي كانت جميعها تطبع في تلك المطابع يتحلقون للحديث وسماع الشعر والتاريخ من حمد الجاسر (يرحمه الله) .. وعبد الله بن إدريس .. وعمران العمران وسعد البواردي وهم الأساتذة الرواد .. وكان محمد بن أحمد الشدي وسعد الحميدين وعبد الله الشهيل وعبد الله الماجد وحمد القاضي وعلي أحمد النعمي وعبد الرحيم نصار هم الصف الثاني وكانت لهم صولات وجولات في دنيا الأدب والثقافة فيما بعد .. ولعل أكثر من يستمتع الجميع بحديثه كان الأستاذ عبد الله بن إدريس فلقد كان يبدأ حديثه باللغة العربية الفصحى وبأسلوب ممتع وجميل ثم يضع مفردة شعبية في وسط هذا الحديث مما يزيده حلاوة وتشويقا .. وفي مكان آخر (بهو الأمانة) في شارع الستين في حي الملز كانت الندوات والأمسيات الشعرية تقام وكان أبطالها عبد الله نور ومحمد كامل حجا ومحمد الشعلان وأيوب طه وهو شاعر فلسطيني لاذع العبارة .. وكان يعمل مذيعا في إذاعة الرياض.
وفي مكتب جريدة "المدينة" في الرياض الواقع في شارع الملك فيصل كانت تعقد الندوات الأدبية مساء كل يوم ومن فرسانها عبد الله نور وعبد السلام إبراهيم وفواز عيد وأيوب طه .. ومحمد الطيار الذي كان مديرا للمكتب وكنت مساعدا له.
ولعل عبد السلام إبراهيم .. وهو مدرس عراقي .. يدرس اللغة العربية والنقد كان أكثر المشاركين معرفة بأوزان الشعر وبحوره ولذا فإنه حينما يطلب إعادة بيت قاله أيوب طه .. فإن ملامح الأخير تتغير ويعلم أن البيت غير مستقيم من ناحية الوزن .. ولذا يتساءل بلهجة فلسطينية تقلب السين إلى صاد (شو مكسر)؟
هذه بعض ملامح الحراك الثقافي الذي عاشته الرياض قبل نحو 40 عاما .. وحينذاك كانت المعارك الأدبية في الصحافة المحلية على أشدها .. ومع ذلك كانت النفوس صافية فالأدباء والشعراء يلتقون مساء كل يوم على كأس من الشاي في الأماكن التي ذكرتها أو على مركاز في مقهى (العويد) في طريق خريص..