هل يغادر الفقر ويعود إلى الغرب؟

[email protected]

في الشهر الماضي كتب الاقتصادي العالمي جورج سوروس مقالة داوية وغير عادية نشرها في صحيفة "فاينانشينال تايمز" (22 يناير كانون الثاني 2008) وجاء في المقالة إن الأزمة المالية التي يتعرض لها الاقتصاد الدولي حاليا تعد أخطر أزمة يتعرض لها الاقتصاد المالي العالمي خلال الـ 60 سنة الأخيرة، وقال إن ما يحدث الآن في أسواق الاقتصاد العالمي هو بمثابة بداية مرحلة عكسية وجديدة من تاريخ الاقتصاد الدولي بحيث يتم خلالها انتقال الثروة المالية من الغرب الغني.. إلى الشرق الفقير، أو بالتحديد إننا نعيش سلسلة من التطورات التي يتم خلالها انتقال الثروة من الدول المتقدمة.. إلى الدول النامية أو من دول الشمال إلى دول الجنوب.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل حان الوقت الذي بدأ فيه الفقر يغادر ديارنا ويرحل إلى دول الغرب؟
هذا السؤال أصبح مطروحا بقوة في هذه الأيام وبالذات في الشارع الغربي الذي بدأ علماؤه يحذرون ويطلقون الصيحات تلو الصيحات ويطالبون القادة السياسيين بمبادرات عاجلة وفاعلة لتدارك الأمور قبل فوات الأوان وتعود الثروة إلى دول الشرق موطنها الأصلي.
ونحن إذا عدنا إلى ما قبل 200 عام أو 300 عاما أو 400 وألف، فسوف نجد أن الدول الغنية المتقدمة هي الدول التي كانت تقع في محيط ما يسمى بدول الشرق الأوسط، وكانت الإمبراطورية العربية الإسلامية، ثم الإمبراطورية العثمانية التي كانت تسمى دولة الخلافة الإسلامية تنعم في الثراء وتقود دول العالم المتقدم غناء وقوة وحضارة، وكانت منظومة الدول العربية تقع في إطار وقلب هذه الدولة العثمانية الإسلامية.
ولكن ما حدث أن الغرب استغل كل الظروف وجيش كل إمكاناته الصليبية لكي يخرج من ضائقة التخلف ويسرق من الشرق ثروته وتقدمه حتى تمكن من تقويض أركان الإمبراطورية العثمانية الإسلامية وأطلق عليها في نهاية الأمر لقب (الرجل المريض) ثم أجهز مع نهاية الحرب العالمية الأولى على هذا الرجل المريض، وتقاسم ممتلكاته ودويلاته دولة في إثر دولة.. حتى استطاع أن يضع يده على موارد الثروات في هذه الدول وينقلها إلى بلاده ليبدأ مرحلة التقدم والثراء ثم يطلق على دولنا لقب (الدول المتخلفة).
وهكذا تحولت الدول التي تقع في منطقة الشرق الأوسط من دول غنية ومتقدمة.. إلى دول فقيرة ومتخلفة رغم أن بلادنا كانت ومازالت هي أرض الثروات الطبيعية ومواقع الحضارات الإنسانية.
مرة أخرى نعود إلى المقال الذي كتبه الرأسمالي العالمي جورج سوروس حتى لا نفهمه خطأ ونتساءل: إلى أي حد يمكن أن يكون كلام هذا الاقتصادي والرأسمالي العالمي صحيحا؟
إذا نظرنا إلى المشهد الاقتصادي العالمي نجد أن اقتصاد الولايات المتحدة يتراجع وإن الدولار يشهد انهيارات متتالية يعبر بها عن اقتصاد أمريكي ضعيف، إضافة إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قام بسلسلة من التخفيضات لأسعار الفائدة، مما أرغم البنوك المركزية في البلدان التي تربط عملاتها بالدولار إلى الدخول في المنطقة السالبة التي أدت إلى مزيد التضخم وارتفاع الأسعار، وبالتالي مزيد من الاستنزاف للثروة. ونتيجة لذلك يرى كثير من المراقبين الاقتصاديين أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل في نفق الركود الاقتصادي، وأن السياسات التقليدية التي تتبعها الولايات المتحدة لن تفيد فيما بدأت كثير من الدول ممارسة سياسة الإحجام عن زيادة مخزونها النقدي بالدولار الذي يتعرض منذ سنوات إلى انتكاسات متعددة، كما أن بعض الدول اتخذت قرارا بفك ارتباط عملتها بالدولار، ودولا أخرى تفكر جديا في فك ارتباط عملتها بالدولار، ثم جاءت أزمة الرهن العقاري وتداعياتها السلبية الحادة على القطاعات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وخارجها وخاصة المصارف التي سجلت في الآونة الأخيرة خسائر بمليارات الدولارات.
أمَا بالنسبة إلى أوروبا فإن الاتحاد الأوروبي يحاول اقتصاديا أن يحل محل الولايات المتحدة ويبقى الثروة في الغرب قبل أن تنتقل إلى الشرق، ولكن التنين الصيني سبق أوروبا وأخذ بزمام المنافسة بضراوة لاحتلال المركز الأول في الاقتصاد العالمي.
وكذلك مما عزز مسيرة عودة الثروة إلى الشرق هي التطورات الاقتصادية في القارة الهندية، وقبل ذلك كانت اليابان ودول النمور الآسيوية قد احتلت مكانتها المتقدمة على صعيد الثروة الاقتصادية والمالية.
الأهم من ذلك إن الغرب بدأ يعانى من قصور خطير في الموارد التي تقوم عليها حضارته الغربية، فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل دراماتيكى حتى تجاوزت حاجز المائة دولارا للبرميل الواحد، وارتفاع أسعار النفط ساعد على نقل جزء كبير من الثروة المالية من الغرب المستهلك للنفط إلى الشرق المصدر للنفط، والمؤشرات الاقتصادية والمالية تقدم الدليل تلو الدليل على أن العالم يتجه إلى أزمة في موارد الطاقة، ولذلك كلما ازدادت أزمة الطاقة، فسوف تكون الدول الغربية أكثر الدول المتضررة من نقص الموارد، إذ إن النفط هو الوقود الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، ودون هذا الوقود فسوف تلفظ الحضارة الغربية أنفاسها.
ولذلك فإن الغرب بزعامة الولايات المتحدة يسعى ما وسعه الجهد إلى إحكام سيطرته على منابع النفط، وفى سبيل ذلك خاض حروبا ساء تقديرها، فتورط في سلسلة من الخسائر المالية والاقتصادية والعسكرية أدت إلى زيادة أسعار النفط، وبالتالي أدت إلى انتقال الموارد المالية إلى الدول النفطية التي أصبح لديها فائضا هائلا في النفط والمال.
إن اقتراب انحسار الحضارة الغربية تجد أساسها في بعض الدراسات الجادة التي ظهرت في منتصف القرن الـ 20 والتي بدأت بكتابات البريطاني آرنولد توينبي التي حملت عنوان دراسات في التاريخTHE STUDY OF THE HISTORY ثم الألماني شبنجلر في كتابه THE DECLINING OF THE WEST. وأخيرا وليس آخرا الأمريكي بول كندي في مؤلفه ذائع الصيت صعود وسقوط الدول العظمى THE RISE AND THE FALL OF GREAT POWERS . وهذا الأخير ظهر في حوار تلفزيوني منذ ثلاثة أشهر في محطة الجزيرة الفضائية وأكد أن العصر الأمريكي إلى أفول بسبب تكاليف حروب الولايات المتحدة التي خاضتها في أفغانستان والعراق، وبسبب الفتن التي أشعلتها في فلسطين وفى لبنان وفى إيران والتي كلفتها مليارات المليارات من الدولارات وراح ضحيتها آلاف الشباب الأمريكي.
ولكن رغم أننا نحترم كل ما قاله أساطين الفكر الغربي عن سقوط الغرب وانتقال الثروة والمال من الغرب إلى الشرق واحتمال أن يعود الغرب فقيرا والشرق غنيا.
إلا أن الغرب لا يزال يحتفظ بالكثير من أسرار المعرفة ويحتفظ كذلك بالتقدم التكنولوجي الذي سيستخدمه للمحافظة على ثروته وتقدمه وإبقائه في مقدمة ركب الحضارة الإنسانية لعقود مازالت طويلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي