الغرف التجارية والصناعية وطلاسم العولمة

[email protected]

ماذا تقولون في رجل دعي لرحلة صيد بحرية فجاء بخيمة وسيارة دفع رباعي وبندقية صيد، بالطبع ستضحكون ملء أفواهكم على هذا الحكيم لأنكم تعرفون حقيقة البحر ومتطلبات الصيد فيه، في حين أن هذا الرجل لم يصطد إلا في البر وتوقع أن يكون البحر كما البر تماما فجاء بالأدوات نفسها ليصطاد فكان مثار ضحك وسخرية ممن يعرفون متطلبات الصيد في البحر.
ما دعاني لطرح هذا المثل وإن كان به شيء من المبالغة، كما هي عادة رسامي الكاريكتير، ما سمعته من أن رجل أعمال كبير يريد أن يحقق إنجازات كبيرة في تعزيز قوى سوق تقدر تعاملاتها بالمليارات بملاميم معدودة في ظل عولمة اقتصادية تشهد منافسة شرسة تستخدم فيها استراتيجيات عميقة لا تخطر على بال تاجر تقليدي حقق إنجازات كبيرة في سوق ناشئة في ظل رعاية حكومية أبوية تكبًر عليها بعد أن انتفخت جيوبه.
كثير من صناع ومتخذي القرار في القطاعين العام والخاص يعرفون أن بلادنا أصبحت عضوا في منظمة التجارة العالمية المنظمة للعولمة الاقتصادية، ولكن لا يفقهون إلا ما تنشره الصحف عن تلك الاتفاقية ومتطلبات التنافسية العالمية وألعابها المعقدة، فهم لا يعلمون من وراء تلك المنظمة؟ ولماذا أنشئت؟ وما فرصها ومخاطرها؟ وما متطلبات اغتنام تلك الفرص وتجنب المخاطر؟ وما الأدوات التي يجب أن تكون في أيديهم لصد أي هجوم اقتصادي محتمل من الآخرين الذين يخططون الليل والنهار لتحقيق أكبر المكتسبات مهما كانت الأضرار التي ستلحق بالآخرين.
هذا الوضع لاشك أنه يثير القلق في نفوسنا، خصوصا وإننا نرى ألاعيب اقتصادية غير مألوفة وأدوات حديثة لا نفقهها جعلت زمام الأمور ليست في أيدينا حتى أصبحت أسعار النفط ونحن الدولة الأكبر في إنتاجه تتحرك صعودا ونزولا في بورصات عالمية بعيدا عن معادلات العرض والطلب المتعارف عليها، حتى بتنا على يقين بأن النفط كما الدولار تماما أصبح أداة في يد العم سام يستخدمه في تعزيز قواه الاقتصادية وإجهاد القوى الاقتصادية للدول الأخرى بما فيها نحن حيث نعاني الأمرَين من دولار متهاو أمام العملات الأخرى.
لماذا معظم رجال الأعمال الكبار فضلا عن الكثير من المسؤولين في القطاع العام ما زالوا في غيبوبة شبة تامة عن طلاسم العولمة ؟ لماذا ما زالوا يستخدمون آليات لا تتناسب ومتطلبات التصدي لفرص العولمة ومخاطرها؟ لماذا نواجه المشكلات المحلية الناشئة عن متغيرات عالمية بأدوات ضعيفة لا تسمن ولا تغني من جوع كما هو الحال في مواجهة أزمة التضخم التي تضرب بلادنا حاليا؟
بنظرة بسيطة إلى أوجه صرف ميزانيات الشركات الكبرى فضلا عن الصغرى في القطاع الخاص تجد أن مصاريف الدراسات والتخطيط بحميع أنواعه بما في ذلك تخطيط الموارد البشرية والأبحاث والتدريب وضبط الجودة وتطوير الأعمال والاستشارات والإعلام وخدمة المجتمع دون المعدلات العالمية بكثير، وهو ما يشير إلى غياب الفكر الاستشرافي القادر على تحديد الفرص المستقبلية لاغتنامها والتهديدات المقبلة لاجتنابها، كما يشير إلى سيادة ردود الأفعال على حساب التحرك الاستباقي، وإلى التأثر بالمتغيرات بدلا من صناعتها، كما تفعل الدول المتقدمة في أمريكا وأوروبا وشرق آسيا.
المسؤولين في الحكومة وفي أي بلد كان لا يمكن لهم استحداث أو تنمية قطاع اقتصادي مهما كان على اعتبار أن تلك مسؤولية القطاع الخاص الذي يستحدث أو يطور القطاعات الاقتصادية من خلال إيجاد عناصر أسواقها وتعزيز قواها وحث الجهات الحكومية لتنظيم تلك الأسواق وحمايتها وتيسير التعامل فيها، لذلك لا يمكن لنا مطالبة المسؤولين في القطاع العام لفك طلاسم العولمة وتعزيز أدوات الولوج فيها دون أن يتحرك كبار اللاعبين في القطاع الخاص ومن يمثلهم للقيام في ذلك وحث الحكومة لدعمهم.
لا أشك أن لدينا شركات قيادية متميزة في بعض القطاعات الاقتصادية، وهي تعمل على فك طلاسم العولمة والتوعية بفرصها والتحذير من مخاطرها، ولكن ومع الأسف الشديد فإن تلك الشركات نادرة جدا، وتتكالب عليها الطلبات بشكل كبير لدعم ورعاية مؤسسات المجتمع المدني والأنشطة والفعاليات الحكومية وغير الحكومية بشكل لا يطاق، كما أفصح لي بعض مديري تلك الشركات الذين أصبحوا يستهلكون الكثير من أوقاتهم للاعتذار عن رعاية نشاط أو دعم مؤسسة لا تتوافق ورؤية تلك الشركة في خدمة المجتمع، وبالتالي فإن تلك الشركات النادرة وإن كانت فاعلة لا يمكن لها أن تقوم بمهمة تعزيز أدوات الولوج في طلاسم العولمة لوحدها دون مساندة كبيرة من جهات أنشئت لهذا الغاية وهي الغرف التجارية والصناعية التي تحصل الرسوم الكبيرة مقابل مخرجات صغيرة جدا.
الغرف التجارية الصناعية في جميع المناطق وناظمها وهو مجلس الغرف التجارية، في اعتقادي أنها الجهات المسؤولة في الدرجة الأولى عن توعية رجال الأعمال والمسؤولين في الحكومة أولا وأفراد المجتمع بما في ذلك المفكرين وصناع الرأي ثانيا، ومن ثم وضع الخطط الاستراتيجية لحث القطاعات الاقتصادية الخاصة والعامة كافة لتعزيز أدوات الولوج في طلاسم العولمة بكفاءة واقتدار بما ينمي اقتصاديات البلاد ويقيها الهزات المفاجئة وغير المتوقعة، ولكن ومع الأسف الشديد أقول إن الأمل ضعيف في تلك الغرف التي تبخل على صرف بضع ملايين على منتدياتها الاقتصادية الفكرية ذات الأهداف السامية لمشاركة الرعاة من الشركات القيادية التي تستجديهم لتغطية كامل تكاليف تلك المنتديات لتتفرغ للصرف على الحفلات والاحتفالات ورواتب الموظفين في الهياكل المترهلة، حتى أصبحت تلك الغرف أكثر بيروقراطية من المؤسسات الحكومية، ومن يصلح الملح إذا الملح فسد؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي