الرغيف ينبض كالقلب
هذا عنوان نحتته الكاتبة غادة السمان من حشاشة الشعور المرهف ووضعته على غلاف كتاب لها وقد "سرقته" منها (على المكشوف!!) لأني وجدت بريقه يحاصرني في غمار فيض الأحاديث عن فقدان الرغيف الأسمر بفقدان الطحين الذي ضاع دمه بين القبائل، فصوامع الغلال تقول: إن المشكلة ليست في الكميات المنتجة من قبلها وإنما في الموزعين، كما قال صالح بن محمد السليمان مدير عام الصوامع لهذه الجريدة (20/2) فيما قالت لجنة مشكلة من وزارة التجارة والصوامع اجتمعت قبل ذلك بأيام مع تجار الدقيق في جدة، إنها هددت بإيقاف التعامل مع التجار المتلاعبين، وإنها بصدد رفع توصية لوزير التجارة للسماح للصوامع باستيراد نحو ثلاثة ملايين كيس دقيق من الخارج (!!).
وطبعا لا حاجة إلى مزيد من قول الجهات المسؤولة أو قيلها المتناقض، لأن الخشية أن تشاط الكرة هذه المرة أيضا في مرمى الجمهور، فقد سبق وأن تم تحميل المواطن عبء الغلاء كونه يحب كبسة المزة أو العنبر وطلب منه البحث عن بديل كما طلب إليه البحث عن بدائل للسكن في ظل أسعاره الخيالية وتم تحميله مغبة التستر على العمالة وعلى التبطل ولم يتردد منظرو تنمية الموارد البشرية في القطاع الخاص من تسديد الإهانة تلو الإهانة للمواطن بكونه كسولا متدني الإنتاجية جشعا يطلب مكتبا مرفها وعملا دون جهد وكأن أولئك الراجمين أبناء جلدتهم يستثنون أنفسهم من ذات الطينة والعجينة!!
ليس الأمر لوما وتقريعا أيها السادة، لكن حين يستحيل الحصول على قطعة أرض أو سكن ويبالغ تجار الأرز في أسعارهم وحين يتفق تجار الألبان والأدوية على الرفع عنوة ويختفي الحديد والأسمنت وحين يفقد رغيف الخبر والطحين ونحن في أوج الطفرة والصخب الهائل لفوائض الميزانيات، في أوج المشاريع الاقتصادية الكبرى، في أوج المنتديات الاقتصادية البراقة والاستثمارات الجاذبة والمجذوبة، ثم لا تكون ردة فعل الجهات التموينية أو وزارة التجارة أو الصوامع أو الصحة سوى مجرد اجتماعات ديكورية تنتهي بتنميق الأعذار والتبريرات والتوصيات وترك الجرح مفتوحا، فذلك يعني أننا لم نعد نجد حرجا في أن نزج بأنفسنا في الأزمات زجا فإلى أين نحن ذاهبون؟ ومَن المسؤول؟
حتما ليس المواطن، فهو إن أخل بالنظام أو غش أو أخطأ أو تستر أو تلاعب فلأن وزارة التجارة أو الصوامع أو البلدية أو الصحة أو المرور أو غيرها لم تمارس دورها كما يجب، لم تجعل قوة القانون فوق التسيب أو المحسوبيات أو نوبات الفزعة.. وإنما بقيت تتعامل مع الواقع من خلال الأوراق وتركن إلى تشخيص المجتمع وقضاياه ومشكلاته بالنيابة من خلال الخبراء والمستشارين القابعين في مكاتبهم بعيدين عن معاناة الناس وعذاباتهم أو الاتكال على بعض موظفين كتبة أدمنوا التثاؤب والنعاس مثلما أدمنوا استنساخ التوصيات بعد روتين اللجان والاجتماعات وبالتالي فلا غرابة أن تأتي الحلول لا رمق فيها وفي طلاق مع الواقع وقضاياه.
لو كانت تلك الجهات مسلحة بحاسة استشعارية تستشرف المستقبل تتوقع حجم ونوع الاحتياج وتغيره مع الزمن واتجاهاته وكانت لديها استراتيجيات للاحتراس والتحوط لما دلفنا من أزمة إلى أخرى ما يعني أن الأزمة الحقيقية تكمن في منهج عمل الجهات وأدائها، إذ لا يعقل أن تصبح سمة أجهزتنا الحكومية حتى في ظروف الوفرة والرخاء إدارة الأزمات؟ ويصل الأمر إلى فقدان الرغيف ويصبح غيابه تهمة تتقاذف مسؤوليتها التجارة والصوامع والتجار والموزعون مثلما سبقه سريان مولات اللوم المتبادلة الأخرى بشأن غلاء الأسعار والأرز والألبان والأدوية والأسمنت والحديد والإسكان والعمل.
إننا بصراحة نواجه هذه الأزمات لأن هناك تقاعسا عن الوفاء في تنفيذ مهام المسؤولية الوظيفية والاجتماعية وإخلالا بهما، فقد ترك للروتين مهمة إدارة المهام وبات التعويل في إبراء الذمة على رفع المذكرات وخفضها وعلى تحبير محاضر الاجتماعات وعلى التوصيات، مع أن شرف التكليف يفترض في المسؤول أن يغطس في حرارة الواقع، يواجه مواطنيه لا أن يُلاموا ويطلب إليهم تحت وطأة الورطة الوظيفية، أن يغيّروا في غمضة عين عاداتهم في الأكل أو أن يدبروا أحوالهم في بدائل للسكن والوظيفة وأن (تزحلق) المهمة من كتف جهة إلى كتف جهة أخرى، وإلا ضاعت القضايا وحلولها في دهاليز الصادر والوارد.. مثلما ضاع الرغيف بين حانا ومانا!!