بين الحديد والدقيق!

[email protected]

أضحت الأزمات الاقتصادية المتكررة ملازمة لاقتصادنا في السنوات الأخيرة، وغدت تركب الناس طبقا عن طبق، وأمست تكويهم بسعيرها لهبا تلو لهب. إنها مثال صارخ على أن شيئا ما غير صحيح وغير سليم يجري في اقتصادنا.
عندما كانت إيرادات الدولة محدودة ومتدنية خلال الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، ظن البعض أن المشكلة مالية بالدرجة الأولى, غير أن استمرار التحديات القديمة دون حلول إستراتيجية فعالة، ثم وقوع اقتصادنا في براثن مشكلات جديدة، على الرغم من القفزات الهائلة في الإيرادات العامة في السنوات الأخيرة، يثبت بما لا يدع مجالا لشك متشكك أو لفذلكة متفذلك أن الأمر ليس أمر شح أموال، بقدر ما هو سوء تخطيط اقتصادي، وتواضع تدبير إداري!
والواقع أنه إذا لم تكن بعض المؤشرات الاقتصادية الظاهرة ظهور الشمس في كبد سماء صافية كافية لتدلنا على ارتباط وثيق بين تلك المؤشرات وذيولها المتوقعة، فما الذي ننتظره لنكون أكثر استعدادا لإدارة اقتصادنا؟ هل فقدنا القدرة على توقع ما هو متوقع؟ أأصبحنا لا نستعد لأمر حتى يغدو مشكلة تؤرق الناس وتتداولها المجالس وتنشرها الصحف؟ هل غدونا لا نستعد حتى نرى الظواهر الاقتصادية تتحول لاختناقات مزعجة؟ هل أصبحنا لا نتحرك إلا إذا شاهدنا الصحف تنشر صور ألوف المتقدمين للحصول على استمارة طلب وظيفة، أو صور الناس وهم يقفون ساعات للحصول على حاجتهم لصهريج ماء أو رغيف خبز؟ فنعقد حينها اللجان؟ ونفكر وقتها في اتخاذ الملائم من السياسات؟
لقد كان مؤشر نمو السكان العالي كافيا وحده ليرشدنا إلي توقع نمو طلب الناس الكلي على مختلف أنواع السلع والخدمات العامة والخاصة. وكان يفترض أيضا أن تدلنا زيادة الإيرادات العامة ونمو النفقات الحكومية وتوسع السيولة النقدية على توقع ارتفاع معدل التضخم لعوامل داخلية. كما كان مفترضا باعتبارنا مجتمعا يعتمد على الاستيراد في تلبية جل حاجاته، أن نتوقع أن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية سيرفع تكاليف المنتجين في الخارج ومن ثم أسعار السلع التي نستوردها. وكان يفترض أن نتوقع بسهولة أن ارتباط عملتنا بالدولار المتدهور تجاه بقية العملات سيسهم في ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستورة من منطقة اليورو والين وبقية مناطق العملات الأخرى، ويسهم مساهمة ذات أثر جلي في معدلات التضخم.
لقد كنا نردد منذ سنتين أن 30 دولارا لبرميل النفط هو سعر مقبول، وكاف لتسديد الدين العام المتراكم من السنوات العجاف، ومناسب لمواجهة المتطلبات المتعاظمة لبرامج التنمية التي فرضها النمو السكاني. لكن هذا السعر تضاعف الآن لثلاثة أمثاله على الأقل ثم تمت الموافقة على اعتمادات طموحة في موازنات الدولة حتى قال ولي أمرنا - أعزه الله - إنه ليس للمنفذين عذر بعد اليوم، فكيف يصل بنا الحال إلي ما نحن عليه؟ إنها ليست قضية موارد مالية ضئيلة، ولا فرص استثمارية محدودة، إنها مسألة إخفاق في إدارة الاقتصاد وتدبير الأموال واستغلال الفرص الذهبية المتاحة.
عندما ينقص المعروض من سلع أساسية لا غنى للناس عنها كالماء أو الدقيق، فخير علاج هو التركيز على اتخاذ كل ما من شأنه أن يؤدي لزيادة العرض مباشرة. أما محاولة إضاعة الجهود والأوقات في عقد اللجان ومراقبة الأسعار أو تصرفات الموظفين والمتعاملين أو الانشغال بتوزيع الاتهامات هنا وهناك، فهذا بعد عن أصل الداء، وانحراف عن طريق الوصول للدواء.
يتكرر معنا هذا الإخفاق في قطاعات متعددة فمن مشكلات البطالة والإسكان والتعليم والخدمات العامة، والنقل الجوي، إلى مشاكل وقوع اقتصادنا في براثن ضياع مدخرات الناس، ثم معاناة الناس من شدة وطأة غلاء الأسعار!!
عندما بدأت أسعار الحديد في الارتفاع قبل نحو عامين، جرى اجتماع بين مسؤولي وزارة التجارة وبعض كبار تجار الحديد بحضور مندوب شركة سابك باعتبارها الشركة المزودة للحديد. وطلب من "سابك" تخفيض الأسعار لينعكس على التجار فيخفضون أسعار الحديد للمستهلكين. لكن التجار امتنعوا عن الالتزام بذلك، طالما ظل هناك فرق بين السعر المحلي والسعر في الدول المجاورة، وطالما كانت هناك حرية في إعادة التصدير!! فلماذا لا نمنع تصدير الحديد والأسمنت في مثل هذه الظروف الاستثنائية؟
أما فيما يتعلق بالدقيق، فأنا لا أفهم حتى الآن لماذا يظل نشاط تجاري بحت لسلعة يمكن أن تباع وتشترى في الأسواق بمنطق تجاري صرف، خاضعا لجهاز حكومي أو شبه حكومي يتعرض دوما لمخاطر تعقيدات الإدارة الحكومية، وعدم قدرتها على الاستجابة لمؤشرات السوق الفورية؟ أما إذا أصررنا على بقاء هذه الأنشطة ضمن العمل الحكومي، فليس أقل – في مثل هذه الأزمات - من فتح باب الاستيراد المباشر.
البيروقراطيون الذين أعطوا كل ما لديهم، وأولئك الذين عطلوا برامج التنمية السابقة لا يمكن أن يصلحوا لإدارة التحديات الاقتصادية الجديدة! اقتصادنا في حاجة لعقول شابة مفعمة بالحيوية والنشاط ولديها القدرة والرغبة في تحمل المسؤوليات وخوض غمار جديد التحديات! وهذا ما بدأنا نلمسه أخيرا من خلال جهود التطوير والإصلاح التي أخذ ولاة أمرنا تبنيها للخروج باقتصادنا من دائرة الجمود. اللهم سدد خطاهم وأيدهم بنصرك وعونك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي