الطريق لاستراتيجيات مالية لاستثمار الفوائض
"وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ" (سورة يوسف)، هذا هو حال الدنيا سبع سمان وسبع عجاف، وها نحن نعيش اليوم السبع السمان بعد أن عشنا لأكثر من عشر سنوات عجاف تدنت أثناءها أسعار النفط إلى مستويات منخفضة جدا جعلت الموازنة العامة للدولة تعاني عجزا تراكم ليصل لأكثر من 700 مليار ريال سعودي، و"أرامكو" تقول إن الطلب العالمي على النفط سينخفض لأكثر من 15 في المائة في عام 2015 أي بعد سبع سنوات، هذا من غير أن تكون هناك مفاجآت في أسواق الطاقة، حيث إن إسرائيل وحدها تعمل بشكل مكثف للاستثمار في الطاقة الشمسية، وتقول كفانا اعتمادا على دول الخليج!
أما وأننا قد أضعنا الفرصة الأولى لتنويع مصادر الدخل الوطني من خلال استثمار الأموال الكبيرة التي جاءتنا عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير ومفاجئ في عقد السبعينيات الماضية، وإن كنا قد حققنا إنجازات تنموية كبيرة لا ينكرها إلا جاهل، فقد حان الوقت للاستفادة من التجربة الماضية لتوظيف الفوائض المالية الحالية التي جاءتنا أيضا من ارتفاع كبير ومفاجئ في أسعار النفط، ولا عذر لنا الآن فقد أصبحنا أكثر خبرة ودراية في أهمية توظيف الفوائض بما ينوع مصادر الدخل وبما يحقق لبلادنا قيمة مضافة من تلك الثروة المالية.
ما يسعدني حقيقة هو الاتفاق غير المسبوق على ضرورة استثمار تلك الفوائض في أدوات استثمارية تسهم في تنويع مصادر الدخل، فالكل يرغب في تنمية هذه الفوائض بأقل درجة مخاطرة ممكنة، وهذه السياسة بطبيعة الحال تتعارض مع البدائل ذات القيمة المضافة المتوافرة، ما الرأي إذاً؟
بحسب الدراسات فإن عوائد الفوائض المستثمرة في الوسائل المالية الخارجية "أوراق مالية وودائع لدى البنوك بالخارج" تراوحت بين 3 في المائة إلى 5 في المائة، وهي بحسب الدراسات منخفضة جدا مقارنة بإيرادات الاستثمارات التي تحققها الصناديق السيادية في كل من: الكويت، أبوظبي، الصين، ماليزيا، وسنغافورة والتي وصلت بعضها لأكثر من 17 في المائة، كما أن الدراسات تؤكد ضعف الآثار الإيجابية للاستثمارات الخارجية في الاقتصاد السعودي، هذا إضافة إلى ملاحظة مهمة وهي "عدم وجود منهجية ثابتة لتكوين الفوائض".
وحسبما يقول وزير المالية، فإن الحكومة ركزت على الاستثمارات طويلة الأمد في استثمارات مجملها محلية من خلال صندوق الاستثمارات العامة، والذي تم تعزيز موارده بمبلغ 20 مليار ريال، ويوضح معالي الوزير أن صناديق الثروة السيادية تناسب الدول التي تعاني صغر حجم اقتصاداتها الوطنية، كما أن هذه الصناديق تواجه ردود فعل سلبية من الدول المتلقية للاستثمارات.
إذا افترضنا تكوين شركات سيادية مملوكة للدولة فستكون تحت تصرفها موارد مالية ضخمة واقتصادنا لا يستوعب الفوائض المالية الضخمة المتوافرة للدولة، والسوق الآمنة التي تتوافر فيها حماية لرؤوس الأموال المستثمرة هي السوق الأمريكية، وهي الأقدر على استيعاب تلك الأموال إلا أن الاستثمار في أمريكا أصبح غير مرغوب فيه بعد أحداث 11 من أيلول (سبتمبر).
إذاً ما الحل؟ وهل صحيح أن سوقنا السعودية التي تستعد لإطلاق مشاريع عقارية وصناعية ومشاريع طاقة ومواصلات وصحة وتعليم كبرى تتطلب أكثر من ترليوني ريال في السنوات العشر المقبلة لا يمكن أن تستوعب جزءا كبيرا من تلك الفوائض.
أعتقد أننا بحاجة فعلية إلى استراتيجيات مالية لاستثمار تلك الفوائض بما يحقق الأهداف التنموية المستدامة، وذلك من خلال التخطيط الصحيح، حيث الآية التالية في (سورة يوسف) "قاَلَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّم فَذَرُوهُ في سُنبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأكُلُون" أي التخطيط المدروس من جميع الجوانب والجريء والمرن والمبني على المعرفة العميقة لحاجات الوطن والمواطنين الأساسية والمستقبلية، ودراسة النمو المتسارع والمخيف لأسواق الطاقة البديلة، وذلك لاستثمار الأصول الإنتاجية والخدمية المحلية، حيث تستطيع الحكومة بالتعاون مع مجتمع الأعمال ومن خلال صندوق الاستثمارات العامة إطلاق شركات صناعية وخدمية وإنتاجية كبرى في القطاعات الاقتصادية كافة، لتحقق عوائد مالية مجزية كما تحقق قيماً إيجابية موازية مضافة تتمثل في توفير السلع والخدمات عالية الجودة بأسعار معقولة ومتناولة وتصدير البضائع والمنتجات، وأعتقد أن مثل هذه الاستراتيجية يمكن أن يتم إعدادها وتنفيذها في أقل من سنة إذا تضافرت الجهود الحكومية والخاصة لإعدادها وتنفيذها، والاستغلال الأمثل أيضاً أن يتم عقد اتفاقيات شراكات استراتيجية مع عدد من أكبر مصانع السيارات في اليابان ومصانع الكمبيوتر أيضاً، وكذلك شراكات مع عدد من أكبر مصانع أجهزة المحمول في أوروبا وذلك لإنشاء فروع لهذه المصانع في السعودية بشرط توظيف الشباب السعودي بهذه المصانع بنسب متزايدة سنوياً وذلك من خلال تأسيس مراكز تدريب تابعة لهذه المصانع لتأهيل شبابنا للعمل لديها، ولو كان بعض تلك الشراكات لمشاريع إنتاجية تتناسب وطبيعة بلادنا أو تستفيد من إمكاناتها ومثال على ذلك لو عقدت شراكات مع أكبر مصانع الشوكولا في سويسرا أو بلجيكا للاستفادة من أكبر أسواق التمور في العالم أو لتقديم خدمات للسياحة الدينية وغيرها كثير، وخلاصة القول يجب علينا أن نستعد للسنين العجاف كي تمر دون أية أزمات مالية أو عجز، " ثُمَّ يَأتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ إلَّا قَلِيلاً مِّمَّا تُحصِنُون" (سورة يوسف)
كاتب ورجل أعمال