تـصريح صحافي
التصريحات الصحافية إحدى الوسائل التي يلجأ إليها كثير من المسؤولين ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع تصريحاً صحافياً من مسؤول حكومي أو جهاز إداري أو رجل أعمال أو أيا من الجهات المختلفة، وكثيراً ما تعبر هذه التصريحات الصحافية عن أعمال مستقبلية وخدمات يتم التخطيط للقيام بها أو وعود بإنجازات ستتم مستقبلاً، وأحياناً يتضمن التصريح الفترة الزمنية التي ستتم خلالها هذه المشاريع، كما أن كثيراً من هذه التصريحات يشمل خططاً لسنوات مقبلة ترتبط في كثير من الأحيان بميزانيات ضخمة وأمانٍ وأحلام جميلة يقرأها الناس ويتناقلونها فيما بينهم ولا يملكون أمامها إلا أن يبتهجوا ويتفاءلوا ويتطلعوا إلى تحقيقها.
وعندما يستقبل الناس هذه التصريحات الصحافية فهم عادة ما يخضعونها إلى مقياس العقل والمنطق ويسندون هذا الأمر في بعض الأحيان إلى شخصية صاحب التصريح ومكانته، فكلما ارتقت مكانة صاحب التصريح كلما كان أقرب إلى المصداقية أو كما يوصف أحياناً بأنه مصدر موثوق خصوصاً إذا كان صاحب التصريح ممن سبق أن كانت له تصريحات صحافية لها حقيقة على أرض الواقع فيستشهد الناس بتصريحاته ويأخذونها على محمل الجد.
غير أنه من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن التصريحات الصحافية أصبح مبالغاً فيها لدرجة أن بعضها لا يمكن أن يقبله عقل ولا منطق، بل أحياناً لا يقبله الخيال وتختلف أسباب ذلك من تصريح إلى آخر فبعض التصريحات لا يمكن أن يصدق الإنسان ما ذكر فيها من ميزانية بلغت مليارات الريالات، إذ إن الملايين اليوم أو حتى عشرات الملايين أصبحت من الفئات التي تم نسيانها وأصبحت ميزانيات المشاريع لا تخضع لفئة الملايين بل المليارات، وهناك تصريحات تجد من خلالها أن الفترة الزمنية التي يعلن عن إنجاز المشاريع فيها مستحيلة، بل إن الناس اعتادوا أن يضاعفوا هذه الفترة مرة أو مرتين، وتصريحات أخرى تشمل تغطية بعض الخدمات لبعض المناطق، بحيث إن خدمة مثل المياه أو الكهرباء أو الصرف الصحي ستعمم وتصل إلى منطقة معينة بالكامل وغيرها من التصريحات التي تتكرر علينا في كل يوم تارة في الصحف وأخرى في التلفاز من خلال المقابلات الإعلامية حتى أصبح الناس يفقدون الثقة بهذه التصريحات، بل إن كثيراً منهم لم يعد يؤمن بجديتها ولا يملك عند قراءتها إلا أن يقول (كلام جرائد)، والسبب في هذا الإحباط واليأس الذي تشبعت به نفوس كثير من الناس أن هذه التصريحات أصبحت وهما وخيالا لا حقيقة فيه.
إنني أتمنى ألا يقوم الإعلام بنشر أي تصريح لأي مسؤول ما لم يتم توثيق هذا التصريح من خلال جهة قانونية، تقوم هذه الجهة القانونية بمحاسبة هذا المسؤول عن كل تصريح أدلى به، بل إن اقتضى الأمر تقاضيه في حال عدم وفائه بما أدلى به من تصريح، أما بالنسبة للتصريحات التي تشير إلى إنجاز أو تحقيق نتيجة ما فإنني أتمنى أن تكون هناك جهة مراجعة خارجية معتمدة ومعروفة بحياديتها وتخصصها بمراجعة هذا الإنجاز واعتماده، على أن يشار في التصريح إلى أن هذا الإنجاز الذي تم هو معتمد من هذه الجهة، ومثل هذه الإجراءات قد تساهم في إعادة الثقة للتصريحات الصحافية التي أخذ كثير من المسؤولين الإدلاء بها ونشرها في وسائل الإعلام حتى أصبحت طوق نجاة للبعض ينقذهم مما هم فيه من عجز وضعف وقلة حيلة، فيستخدمون هذه التصريحات ويعلنون عن مشاريع بميزانيات فلكية وفي أوقات زمنية قياسية ويمر العام تلو العام والعقد تلو العقد ولا نتيجة تذكر.
إن مثل هذه التصريحات التي تفتقد المصداقية كمثل أي عملية نصب أو خداع أو كذب أو تدليس فكل ما يقال لا صحة له ولا مصداقية ومع ذلك فإننا نسمح له أن ينتشر وأن يتردد، بل للأسف في بعض الأحيان يقوم البعض بالترويج له ونشره والدفاع عن صاحبه الذي قام بالكذب على الناس وغشهم وإيهامهم بصحة قوله بدلاً من مقاضاته لأنه خدع الناس.
إن مثل هذه التصريحات الصحافية تحتاج إلى وقفة جادة من المؤسسات الإعلامية ومن الجهات الرسمية حتى تعيد لها المصداقية بحيث لا يصدر تصريح بعد ذلك إلا ويقوم صاحب التصريح بالتفكير والإعداد والتأكد من تصريحه بحيث يعد وثيقة معتمدة يعرف الناس يقيناً أنها ستكون واقعاً بإذن الله في المستقبل.