التعليم أس النضج الفردي والاجتماعي

[email protected]

كثيراً ما نسمع أن فلاناً شخص ناضج أو أنه تصرف تصرفاً ناضجاً، كما نسمع أيضاً عكس ذلك حيث يقال إن فلاناً غير ناضج أو تصرفه ليس بالناضج. وبعيداً عن تناول الموضوع من حيث النضج الفسيولوجي الذي يعتمد في الأساس على بلوغ مرحلة عمرية يتم خلالها هذا النوع من النضج، سيكون موضوع هذا المقال النضج الانفعالي والسلوكي والعقلي. تستمع لفرد وهو يتحدث في مجلس أو في محاضرة أو في خطبة فتجد أنه يشد اهتمامك من عدة جوانب في أسلوب عرضه، وفي انتقائه لمفرداته، وفي الموضوع الذي يتحدث عنه، وقد تنتقل إلى مجلس آخر أو في المجلس نفسه تستمع لشخص آخر يتحدث فتحس بالنفور وعدم القبول, ذلك أن المفردات المستخدمة غير مستساغة، وطريقة العرض غير جيدة, وفي الوقت نفسه الموضوع غير جذاب. هذا مثال يمكن أن نستخدمه في الاستدلال على مؤشرات النضج عند الأفراد عندما يتحدثون فالمنطق بمفرداته، وموضوعه وأسلوبه كلها قد تكون ذات دلالة على مستوى النضج الذي يتمتع به الفرد وفي مثل هذا النوع من النضج مكاسب جمة، إذ يكون القبول من الآخرين، والجاذبية بل والجماهيرية التي لا حدود لها لمن تتوافر فيه هذه الخصائص عند الحديث. إن قدرة الفرد على حسن انتقاء الكلمات وبما يتناسب مع الحضور، أو المستمعين، وبما يتناسب ومستوى فهمهم، وإدراكهم يعد نضجاً، كما أن الاختيار الأمثل للموضوع الذي يتم تناوله يمثل قمة النضج, إذ لا يعقل أن يتحدث الفرد عن موضوع وأمام جمهور لا يعنيهم الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، ولا يمكنهم فهمه أو استيعابه، ولهذا يقول المثل "لكل مقام مقال". لا يعقل أن يتحدث فرد أمام مجموعة من الأميين عن الذرة، وتركيبها، أو عن نظرية من نظريات نمو وتطور المجتمعات، أو عن نظرية اقتصادية ولو فعل ذلك لصنف بأنه شخص غير ناضج. ردود أفعالنا المتمثلة في مشاعرنا، وطريقة تعبيرنا عن هذه المشاعر تعد مؤشراً على النضج الانفعالي الذي نتمتع به، وهذا النوع من المؤشرات يتمثل في الكيفية التي نعبر فيها عن مشاعرنا عندما نفرح، أو عندما نغضب، ومدى توازن هذه الشحنة الانفعالية التي عبرنا بها مع الموضوع المتفاعل معه، وذلك أن بعض الناس يضحك ويقهقه لفترة طويلة وبصورة مبالغ فيها لأمر تافه، ولا يستحق مثل هذا، كما أن فرداً آخر قد يغضب، ويتشنج لأمر بسيط، ولا يستحق كل هذا الغضب وفي هذا صورة من صور عدم النضج الانفعالي, إذ إن المبالغة في الفرح، أو الغضب، وبما لا يتناسب مع المناسبة أو الحدث تجعل الفرد الصادرة منه هذه المشاعر في صورة غير ناضجة، ويضاف لما سبق من أمثلة السلوك، والفعل الذي يقوم به الفرد، إذ قد يتصرف الفرد تصرفاً، أو يزاول نشاطاً، أو يؤدي سلوكاً لا يليق بعمره، أو مكانته الاجتماعية، أو مستوى تعليمه ومن ثم قد يصنف الفرد على أنه غير ناضج بسبب ما صدر منه من فعل أو سلوك. ترى هل النضج يقتصر على الأفراد فقط أم أن المؤسسات والمجتمعات ينطبق عليها مفهوم النضج؟ أعتقد أن المؤسسة مثلها مثل الكائن الحي، وكذلك المجتمع فكلاهما يتشكل ويوجد من خلال الأفراد، وما يتمتع به الأفراد القائمون على المؤسسة أو المنتمون للمجتمع من نضج سينعكس بالضرورة على المؤسسة أو المجتمع. نستطيع القول إن هذه مؤسسة ناضجة إذا توافرت لها الخبرة المتراكمة، والأنظمة والقواعد التي تسير عملها، والفكر السليم الذي يديرها، ويوجه أنشطتها، وبما يكفل لها الاستمرار في نشاطها، وتحقيق أهدافها سواء كانت ربحية، أو خيرية، أو غيرها. إن وجود ثقافة، وقيم، وتقاليد، ومنهج واضح تسير وفقه المؤسسة وتدار من خلاله أنشطتها كافة يمثل صورة من صور النضج، كما أن تدبير أمور المؤسسة وفق أسس موضوعية بعيدة عن التحيز، والمشاعر والعواطف يعد شرطاً لازماً لإطلاق صفة النضج على المؤسسة. وإذا كانت هذه الشروط لازمة في المؤسسة فهي أيضاً شروط واجبة في أي مجتمع كي يمكن أن نطلق عليه مجتمعاً ناضجاً. المجتمع الناضج هو ذلك المجتمع الذي يدير شؤونه وفق قيم، وثقافة عمل واضحة، ونظم، وإجراءات واضحة، ومحددة، ومعلنة للجميع، وليست انتقائية، إن المجتمعات مثلها مثل الإنسان تمر بمراحل في نموها، ولذا نجد بين المجتمعات ما ينطبق عليه المجتمع البدائي، وهذا يعني أن هذا المجتمع في مراحل نموه الأولى، إذ لا تزال مقومات العيش، والحياة فيه بسيطة ومتخلفة، كما أن ثقافة المجتمع السائدة أقرب ما تكون إلى الثقافة البدائية والبسيطة.
إن التحولات والتغيرات التي تمر بها المجتمعات غالباً ما تكون نتيجة عدة أمور أهمها وأقواها تأثيراً هو التعليم. فالتعليم، وما يقدمه من معرفة يحدث تغييراً في طريقة التفكير، وكيفية إدراك الأمور، والظواهر المادية، والاجتماعية، فالجهل قد يحدث رفضاً لبعض الأمور، ولذا يقول المثل "الإنسان عدو ما جهل"، تذكرت، وأنا أكتب هذا المقال خطيباً كان يتحدث عن التلفزيون الملون عندما بدأ في المملكة، وكيف كانت ردود فعل ذلك الخطيب متشنجة، وتفقد النضج الذي يفترض أن يكون، وما ذلك الخطيب إلا مثال لواقع المجتمع في ذلك الوقت، والذي لم يستوعب، أو لم يدرك أن التلفزيون ما هو إلا أداة يمكن أن تملأ بالخير، أو بالشر، وهذا يعتمد على جهود أفراد المجتمع في استثمار هذه الوسيلة الإعلامية، وتوجيهها التوجيه السليم الذي يخدم نمو المجتمع، وتقدمه. إن المعرفة، والثقافة تسهم إسهاما كبيراً في إحداث تحولات فكرية لدى أفراد المجتمع، ومن ثم في المجتمع بكامله متى تم نشر الوعي حول الموضوع المراد إحداث التحول بشأنه، فكم من المواضيع التي كانت مرفوضة في فترة من الفترات لا لحرمتها، بل لعدم قدرة المجتمع على التفكير الموضوعي الذي يبين الإيجابيات، والسلبيات، ويكشف الشبهات إزاء الموضوع، ومن ثم يتخذ الموقف الصحيح. إن الأحداث، والمواقف، والظروف, إضافة إلى البناء الفكري الذي يتشكل لدى الأفراد، وفي المجتمع, كلها أمور كفيلة بإحداث نقلات نوعية في حياة الأفراد، وفي حياة المجتمعات. نضج المجتمع هو مجموع نضج أفراده، ولذا فكلما زاد مستوى تعلم الأفراد، ووعيهم، وارتقى مستوى ثقافتهم زاد نضج المجتمع. إن وعي الأفراد بأهمية الماء، أو الطاقة على سبيل المثال، وضرورة الترشيد فيهما سيوجد الوعي الاجتماعي الذي يؤدي في النهاية إلى سلوك اجتماعي عام يتسم بالنضج في التعامل الجيد مع الماء، والطاقة، وعدم الإسراف فيهما. وإذا حدث مثل هذا الأمر على الصعيد الاجتماعي بشكل عام، وليس مطلقاً فهذا من شأنه أن يوفر الماء، ويوفر الطاقة، وما أحوجنا لهذا الأمر. إن المؤسسة التعليمية هي مؤسسة تربوية في المقام الأول، وهذا ينطبق على المؤسسة الإعلامية، فهل نوظفهما من أجل التوجه نحو النضج الاجتماعي الذي بموجبه نسلك ونتصرف، ونعبر عن مشاعرنا بصورة ناضجة، وحضارية، ونحفظ في ذات الوقت أموالنا وخيراتنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي