الأزهر في مصر والمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي
drashwan59@yahoo .com
جرت العادة في مصر خلال السنوات الأخيرة أن يثار اسم الأزهر في كثير من قضايا الجدال العام التي يشهدها المجتمع والساحة السياسية، باعتباره المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية والاجتماعية الأكبر في البلاد. وخلال الأسبوع الحالي برز اسم الأزهر وخصوصاً جامعه الكبير ضمن المناقشات التي يجريها البرلمان المصري حول مشروع قانون جديد يحظر التظاهر السياسي داخل دور العبادة لكل الأديان وفي مقدمتها بالطبع المساجد التي يزيد عددها اليوم في مصر على مائة وثلاثين ألف مسجد، يعد الأزهر أكثرها أهمية من الناحيتين الرمزية والتاريخية. ومن المعروف أن ساحة الجامع الكبير الذي يقع في قلب القاهرة الإسلامية راحت تشهد خلال السنوات الأخيرة وعقب كل صلاة جمعة تقريباً مظاهرات ذات طابع سياسي يتعلق معظمها بقضايا خارجية مثل القضية الفلسطينية والعراقية وغيرهما من قضايا ترتبط بالعالمين العربي والإسلامي. كذلك فقد برز اسم الأزهر وكثير من مؤسساته وعلمائه وفي مقدمتهم شيخه ورئيس جامعته في خضم الجدال المصري حول عديد من القضايا ذات الطابع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي المتماسة مع أحكام الإسلام مثل التصويت في الانتخابات العامة، انتشار الحجاب والنقاب، نقل الأعضاء البشرية والتبرع بها، وأحكام المصارف والبورصات وغيرها من قضايا أثارت اهتمام الشارع المصري ونخبته.
ومن الواضح في هذا الاهتمام المجتمعي والنخبوي المصري برأي الأزهر ومؤسساته وعلمائه في تلك القضايا على اختلاف نوعيتها ومن اختيار بعض القوى السياسية والشعبية ساحة جامعه الكبير للتعبير عن رأيها تجاه بعض قضايا السياسة الخارجية، مدى الأهمية التي تحتلها تلك المؤسسة الدينية في التطورات المجتمعية والسياسية المصرية على تنوعها في السنوات الأخيرة. والحقيقة أن هذه الأهمية وتلك المكانة للأزهر بمؤسساته وعلمائه ليست جديدة على الواقع المصري، وهي تعد الوجه المصري لأهمية ومكانة مماثلة تحتلها المؤسسات الدينية الإسلامية بشكل خاص في التطورات المجتمعية والسياسية في مختلف الدول العربية بصور تتنوع بحسب طبيعة كل دولة والمؤسسات الدينية فيها.
وبالنسبة لمصر اكتسب الأزهر مكانته الدينية والعلمية والاجتماعية منذ إنشائه فور قيام الدولة الفاطمية في مصر عام 972 ميلادية بأمر من القائد جوهر الصقلي بعد عام واحد من فتحها مصر وسمي بهذا الاسم تيمناً بالسيدة فاطمة الزهراء، كان الغرض الرئيسي من إنشائه هو العمل على نشر دعوتها المذهبية الممثلة في المذهب الشيعي الإسماعيلي، ومن ثم اتجه علماء الأزهر خلال تلك الفترة إلى استخدام عدد من الوسائل لترويج الدعوة الشيعية، أبرزها التعليم في الأزهر والتركيز على شرح المذهب الفاطمي الإسماعيلي. من هنا فقد اكتسب الأزهر طبيعته منذ البداية كمسجد جامع وجامعة للعلوم الإسلامية في الوقت نفسه. ولما سقطت الدولة الفاطمية وقامت الدولة الأيوبية السنية المذهب في مصر على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1171 ميلادية أوقف مؤسسها ومن تلاه من حكامها رعاية الدولة للأزهر وما كانوا يقدمونه له من أوقاف ومساعدات مالية، حيث نظروا إليه كمؤسسة دينية شيعية. إلا أن الوضع تغير مع قيام دولة المماليك بعد انهيار الدولة الأيوبية عام 1250، وبخاصة في عهد الظاهر بيبرس الذي واصل من جديد دعم الأزهر وهو ما تبعه فيه أمراء وأعيان المماليك، وهو ما أعطى له دوراً جديداً في المجتمع. ومع قيام الدولة العثمانية تزايد دور الأزهر وأهميته في الدولة والمجتمع، وبخاصة في ظل اعتماد علمائه في أداء رسالتهم الدينية على موارد مالية متعددة من أهمها الأوقاف التي كان يوقفها أصحابها على الأزهر حتى لا يرتبط بشخص معين ويستطيع تأدية دوره عبر العصور. وقد أدى ذلك الوضع إلى تمتع الأزهر بالاستقلال المادي والعلمي، ولم يعد تابعاً للسلطة السياسية كما كان في العهد الفاطمي، وهو ما أدى إلى توسعه في ممارسة دوره على الساحة العلمية ومحلاً لإقبال الطلاب للدراسة فيه من داخل مصر وخارجها كما ارتفعت مكانة علمائه بصورة بارزة في المجتمع.
وقد تغير الدور الذي لعبه الأزهر منذ قيامه وكذلك طبيعة علاقاته مع الجمهور بصفة عامة والحكام بصفة خاصة تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية السائدة ومدى استقلالية الأزهر من ناحية وسيطرة السلطة عليه من ناحية أخرى، إلا أن دوره ظل مهماً ومركزياً في كثير من التطورات التي عرفتها مصر خلال القرنين الأخيرين، حيث لعب علماؤه أدواراً مهمة طوال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وبخاصة في مجال مقاومة الحملة الفرنسية ثم الاحتلال البريطاني بعدها أو في مجالات الإصلاح الاجتماعي والسياسي الداخلي. وخلال المرحلة التالية لثورة تموز (يوليو) 1952 وحتى اليوم وبخاصة بعد صدور قانون إعادة تنظيم الأزهر عام 1961، ظلت العلاقة بين المؤسسة الإسلامية العريقة في مصر والدولة أكثر من وثيقة، وخصوصاً بعد أن أصبح اختيار شيخه وقيادات مؤسساته وجامعته يتم بقرار من رئيس الدولة وأضحت موارده المالية جزءاً من الموازنة العامة لها وليس الأوقاف الأهلية. ويطرح هذا الوضع حالياً كثيراً من الملاحظات والمطالبات بالعودة بالأزهر إلى وضعه القديم من حيث استقلالية موارده المالية عن موازنة الدولة واعتماده من جديد على الأوقاف الأهلية ومن حيث إعطاء علمائه الاستقلال التام في إدارته واختيار قياداته بمن فيهم شيخه الأكبر دون تدخل حكومي، وهي الأمور التي يرى من يطرحونها أنها كفيلة بتحقيق استقلاله وإعطائه مزيداً من القدرة على القيام بدوره المعهود في المجتمع والساحة السياسية على حد سواء.